ثقافة وفن

و كان اللّقاء

رشدي الخميري جندوبة تونس

كان الوقت بداية النّهار..و الفصل خريفا..و كان المكان عامّا حيث يلتقي كل النّاس . أمّا عن النّهار فكان يوما أقرب للرّبيع من الخريف فالشّمس في بداية شروقها لم تبعث بحرارتها بعد وأمّا عن المكان فهو هادئ تحيط به الأشجار و لم تفقد كل أوراقها بعد مع أنّها احمرّت واصفرّت و تهيّأت لذلك. و المكان أيضا هو حديقة جميلة بما شملت توسّطها ممرّ لم يبق فيه سوى مقعد أخير شاغر . ازدان الممرّ بوريقات حملت ألوان خريفها سقطت هنا و هناك و كأنّها تعمّدت ذلك لتزخرف الرّقعة الّتي ستهبط فيها و لتحتفل بحدث هام سيقع في هذه الحديقة أو بقدوم شخص ذي شأن. و المقعد كان وكأنّه محروس من طرف أحدهم أو أنّه محجوز سلفا فكلّما مرّ به فرد أو مجموعة نظروا إليه و تجاوزوه باحثين عن مقعد غيره. في مدخل الممرّ وقف شابّ وسيم ظهرت عليه أناقة الشّباب و زينتهم لكنّه لا يثبت على مكان فهو كالمدّ و الجزر في ذهابه و إيّابه يتراوح في مربع مغلق كأنّه موثوق إلى ذلك المكان أوكأنّه في انتظار شيء ما. وامتلأ المكان من تحته ببقايا سجائر أشعلها و دخّنها دون هوادة. وأثناء ذهابه و إيّابه كان الشّابّ ينظر إلى الجهة الأخرى من الممرّ و كانت الشّمس تمنعه من إمعان النّظر و مع ذلك كان ينظر من تحت يديه اللّتين كان يضعهما على جبينه حتّى يستطيع ان يرى.. وأخيرا توقّف و كأنّه ظفر بضالّته. توقّف وابتسم ولم يكن هناك ما يدعوه إلى ذلك إلاّ إذا كان يرى ما لا يراه غيره. ابتسم و تقدّم نحو المقعد الفارغ لكنّه لم يجلس فقد ظلّ مبتسما متّجها بنظره إلى الجهة المقابلة له من الممرّ. ما كان يرى سوى ظلاّ طويلا لعلّه لفتاة أو امرأة تعمّدت أن تتباطأ في مشيتها و تظهر قوامها مع أشعّة الشّمس من خلفها. ظلّ الشّابّ مبتسما و أقلع عن التّدخين . تهلّلت أساريره ونظر إلى قوامه و لباسه و نظّفه بلمسات خفيفة كأنّه يمرّر يده على الحرير ثمّ عمد إلى شعره يسوّيه فقد يكون أفسد تسريحته عندما وضع يده على جبينه وهو يغطّي عينيه حتّى يرى. وحيث كان ينظر الشّابّ برز ظلّ طويل لقوام ليس نحيفا و لا هو بالممتلىء و من خلال ابتسامة الشّابّ يفهم أنّها حبيبته فكأنّها تعمّدت أن تأتي من جهة الشّمس و في ذلك الوقت بالذّات لتعلمه بقدومها من خلال ظلّها، فقد أرسلت ظلّها عن بعد لتعلم بقدومها فشقّت أشعّة الشّمس و نورها لتظهر من خلالها و كأنّها شمسه و نوره أو كأنّها ولدت من رحم الشّمس وورثت عنها نورها. و كأنّها أيضا بداية حياته و استقراره فهو لم يهدأ إلاّ عندما شاهد ذلك الظلّ و لم يعرف أحد صاحب الظلّ إلاّ هو فابتسم و هدأ و سار نحو المقعد الشّاغر ووقف ينتظر. و مع اقتراب الظلّ بدأت تظهر صاحبته و بدأ يسمع صوتها و الّذي تناغم معه الشّابّ و ردّ عليه بابتسامة و تلويح باليد. كان صوتها بمثابة حقنة مهدأة ، ودوسها على الأوراق الّتي زيّنت لها الممرّ كان عبارة عن نقر على الطّبل في مشهد” سيرك ” عند دخول أحدهم الحلبة ..فذلك الصّوت يجعل المتفرّجين عادة ينتظرون بفارغ الصّبر مشدودين ليعرفوا من سيطلّ من وراء السّتائر و ماذا عساه يقدّم لهم. كان المشهد شبيها جدا بذلك . فالشّابّ ظلّ واقفا منتظرا حتّى تحلّ حبيبته بجانبه و يطمئنّ عليها. و أخيرا ظهرت بلحمها و دمها و سلّمت عليه فسلّم عليها و جلسا، واستحال الهدوء إلى همسات وشوشة و من حين لآخر تنفجر قهقهة منها أو منه أو منهما معا. واستمرّ اللّقاء إلى حين توسّطت الشّمس السّماء. انتهى اللّقاء بتحيّة متبادلة و اتّجه ظلّ كلّ واحد منهما إلى الجهة المعاكسة للآخر، لكنّ هذه المرّة اعتلى المشهد ظلاّن كلّ منهما اتّخذ مسلكا و كان الظّلاّن قصيران أقصر من صاحبيهما و كأنّ ذلك الظلّ الطّويل انشطر إلى شطرين بعد لقاء الحبيبين ليحمل في داخله جسمين و قلبين. و كأنّ أيضا بلقائهما تجدّدت الحياة فولدت حياتين سكنتا جسما واحدا وقلبا واحدا و بافتراق الحبيبين انقسم ذلك الجسم إلى جسمين يحمل كل منهما نصف قلب ينتظر الاكتمال في اللقاء القادم. .
رشدي الخميري/ جندوبة / تونس

اظهر المزيد

مجلة مملكتي

مجلتنا هي نقطة شروع جديدة ومميزة لبناء أمرأة واسرة ومجتمع لائق ومتحضر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى