ثقافة وفن

“وقفة تأمل”

بقلم، دكتوره سلوى نايل

 

تستوقفنى كثيراً لحظة عايشتها مراراً وتكراراً على مدى سنوات عمرى..لحظة “اللاوعى” فى أى عملية جراحية..لحظة سريان “البنج” فى الوريد إيذاناً ببدء العملية…
تلك اللحظة الفارقة بين عالمنا الواقعى بكل مافيه من أحداث والدخول فى عالمٍ آخر مجهول لا ندرى عنه شيئاً …
لحظة غياب كامل عن الوعى لعدة ساعات هى وقت إجراء العملية…
وعلى عكس الكثير من الناس الذين ربما يهابون أو يمقتون تلك اللحظة..فأنا أعشق تلك اللحظة التى أتلاشى فيها عن هذا العالم بكل مافيه من وجع..بكل مافيه من متناقضات …بكل مافيه من منغصات…تذوب الصور أمامى …تتداخل الوجوه…تصبح الرؤية بيضاء تماماً..ويغيب العقل فى عالمٍ آخر تماماً…
لحظة الانفصال تلك تثير الكثير والكثير من التأملات بداخلى..
فهى لحظة الخلاص ولو بشكلٍ مؤقت من ألمٍ طالما سيطر علىّ وأنهكنى وجعاً…لحظة دخول إلى عالم أكثر سكينة وأعظم راحة…
هى لحظة التسامى عن ألمٍ نعجز عن السيطرة عليه بالأدوية المعتادة فى عالمنا الواقعى ..فتكون تلك اللحظة هى “طوق النجاة”…هى اللحظة المنشودة كى يسكن هذا الأنين ..ويصمت ذاك الوجع !
هى لحظة قد تبدو لمن يرافقنا فى رحلتنا تلك أنها لحظة مؤلمة وتحمل من القلق الكثير والكثير لمن يقفون على باب غرفة العمليات محّملين بالدعوات ..تلهج ألسنتهم تضرعاً إلى الله بالشفاء التام وبنجاح العملية وبأن يردنا الله مرة أخرى إلى هذه الدنيا بعد زوال الألم ..
هى لحظة يراها من حولنا عكس مانراها نحن الذين عايشناها وغصنا فى أعماقها وتلاشينا فيها…
وعلى عكس هذه اللحظة تأتى لحظة الإفاقة التى أمقتها كثيراً لأنها نحوى من الألم مالا أطيق …وتضج غرفة الإفاقة بأنينى معلنةً عودتى مرة أخرى لعالم الوعى…هى لحظة مؤلمة رغم أنها تحمل الأمل فى حياةٍ جديدة بلا ألم…وتحمل التفاؤل فى حياة أكثر راحة..
هى لحظة فيها مافيها من السعادة على أهل المريض رغم صعوبتها وشدة إيلامها للمريض نفسه !
وهذه هى حياتنا حقاً…فقد نمر أحياناً بلحظات فى غاية الصعوبة والألم الذى لا يستشعره سوانا ولا يكتوى بناره غيرنا رغم السعادة الظاهرية التى يخال من حولنا أننا نرفل فيها !
ونمر فى أحيانٍ أخرى بلحظات من السعادة والرضا والتقبل التام لأوضاعٍ قد تبدو سوداوية ومن الصعوبة بمكان على تقبلها والتعايش معها …لكنها لسببٍ ما لا يدركه غيرنا تجعلنا نتقبلها ونتوائم معها بل ونسعد بها رغم مرارتها على عكس ما يبدو عليه ظاهر حالنا لمن حولنا من الناس !
فكل ما فى الكون هو شىء نسبى تماماً..فالسعادة بالنسبة لى قد تكون قمة التعاسة لغيرى…
والراحة بالنسبة لى قد تكون قمة الوجع لشخص آخر..
وحتى من أحب وأراه عشقى الأوحد قد يكون أبغض شخص لغيرى !
فنحن جميعاً مختلفون تماماً ولسنا أشباه أبداً…
وليس هناك حكم مطلق على أى شىء حولنا..لأن الموقف الواحد لا يحتمل فقط وجهتى نظر مختلفتين ..وإنما يحتمل وجهات نظر متعددة…
وعلينا أن نتعلم ثقافة الاختلاف ..وأن نستوعب اختلافاتنا بل وخلافاتنا بدون أن نصدر أحكاماً مطلقة على الآخرين لمجرد اختلافهم عنا فى التفكير ورؤيتهم للأمور من منظورٍ مختلف ربما لم يدر بخلدنا يوماً !
“ولو شاء ربك لجعل الناس أمةً واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم”
فليحترم بعضنا بعضاً رغم وضوح الاختلاف..
ولننعم بقدرتنا على تفهم بعضنا بعضاً..وعلى احتواء الآخرين بحب وبتفهم رغم تباين الشخصيات
والآراء…لنحيا بسلام على هذه الأرض..
وليبق منا جميل الأثر ..
وقفة تأمل ليس إلا !

اظهر المزيد

مجلة مملكتي

مجلتنا هي نقطة شروع جديدة ومميزة لبناء أمرأة واسرة ومجتمع لائق ومتحضر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى