ثقافة وفنفن ومشاهير

وداعاً لمياء خليفة قلب حيفا النابض

بقلم المخرج فارس البحيري

توقف قلبها عن النبض ، ذلك القلب النقي الطيب الطاهر ، توقف قلبها ليعلن عن فراق أطيب خلق الله ، تلك السيدة
صاحبة القلب الشهم النبيل ،والقامة الموسوعية النادرة ، وقبل هذه الصفات جميعاً ، الإنسانة الأصيلة التي تنبض طيبة وصدقاً وعطفاً .

نعم ، كان بودي الكتابة أكثر عنها وهي حاضرة بهيئتها ووقارها ، مميزة بصوتها وابتسامتها أو قهقهتها المتألقة المتضوعة في بهو المكان مضيفة له البهجة والسحر والحيوية .

تلك الإنسانة الاستثنائية الجامعة بين أصالة وإيثار حيفا ، ونقاء ورقي المدينة القدس. إنَّها عجينة فريدة لا يضاهيها غزارة معرفة ومعلومة أو ذاكرة مُتَّقدة يضاف إليها شخصيتها الفيلسوفة التي قلما يجود الزمان بمثلها .

وبرغم هول الفاجعة أجدني اليوم أكتب للراحلة عنَّا كغيمة ربيع توارت في الآفاق ،غير مدركة بفداحة الرحيل لناس وأرض استوطنهما الجفاء والبؤس والنفاق والحزن وغياب القدوة والصدق والرجال أيضاً .
نعم أكتب للصديقة التي يحسب لها أني في أشد أوقاتي ضيقاً كانت دائمآ هي البهجة والأمل والتأثير الإيجابي فيَّ ، وفي مرحلة صعبة ومهمة من تكوين ذاتي ، بل واجزم انَّها نحتت في ذاكرتي أفكاراً وتواريخاً وأحداثاً وأخلاقاً لا تقدر بثمن .

فأول هذه الاشياء معنى أن يكون المثقف إنساناً متواضعاً وبسيطاً وقريباً من عموم النَّاس ، فهذه غاية نبيلة ينبغي أن يتحلَّى بها كل مثقف ومستنير .
المسألة التالية أن تكون شغوفاً ولعاً بالقراءة والاصغاء لكافة المعارف الإنسانية وان كانت في كثير من الأحيان صادمة أو مزعجة ، فالمهم هنا هو إمعان وغلبة العقل والمنطق وفي مختلف المناحي الفكرية والفلسفية والدينية والسياسية .

صدقاً ، أكتب لها اليوم عرفاناً ووفاءً بما منحتني أياه من نبل وإيثار ونصيحة ورعاية ، فهذه الأشياء لا تمنح إلاّ من العُظام ، والصديقة الغالية لمياء رحمة الله عليها ،
وأكره ولا أحب أن أقولها إنها رحلت ، لأني حتى الآن أنا غير مصدق وغير مدرك بما حدث ، كانت من هؤلاء النساء العظِّام الذين يمنحونك أشياء ثمينة وبكل عفوية وشهامة .
كانت لا تُضمر شراً أو حقداً لأحد .
واحسبني عايشتها ردحاً من الزمن ، فوجدتها هي ذاتها بطباعه وصرامته في الوظيفة والبيت ، فلا فارق ولا تصنُّع ، فإذا ما اختلفت معك أو نقدتك فلا يعني نهاية الدنيا ، بل على العكس تستقبلك بوجها ضاحكة بشوشة .
والاستثناء الوحيد هنا هو أنها لا تفعل ذلك مع من لا يحترم آداب الاختلاف أو يحيل المسألة الى ثأر وانتقام وتصفية حساب شخصي ، فهذا الصنف من البشر لا تحبذه مطلقاً .

أتساءل وبحيرة ودهشة كيف أنها حفظت كبريائها وحياتها طوال تلك السنون المخيفة ، فبرغم انَّها حفلت بالاختلافات الفكرية والسياسية والعملية إلَّا أن هذا الاختلاف الذي وصل وفي مواقف عدة لحد المغالاة الكلامية ؛ لكنها مع ذلك بقيت إنسانة تمقت العنف ، وترفض التورط به ومهما كانت المبررات والأسباب الداعية له ، ولهذا السبب عاشت لمياء حرة أبية لا تخاف ثأراً أو إنتقاماً ..

لعله الصِّدق مع ذاتها وذويها ورفاقها، ربما مرد ذلك هو صدقها النابع من حرصها وخوفه على البلاد والعباد وليس لدواعي شخصية نفعية ضيقة ، فالصِّدق قيل بأنه منجاة والكذب مهواة لصاحبه .

أتذكر الان كيف أنها ظلت تحمل وداً وتقديراً لكل من حولها .
لم يذكرها يوماً إلَّا وذكر محاسنها الطيبة النقية ، فضلاً عن رفاق كُثر حملت لهم الود والاحترام وإلى أخر يوم من حياتها ، وشخصيات أخرى لم يتسع الحيز لذكرها ، .

، وهكذا ظلت لمياء الطيبة النقية تستقبل وتودع إلى أن لفظت نفسها صاعدة لباريها إثر حقنة لقاح ذلك الفيروس اللعين الذي لا يزال يحصد أرواح طيبة عشات بيننا ..

لست معترضا على مقدرات الله سبحانه وتعالى وأعلم جيدا أنها أمانته واستردها وأدرك كل ما يمكن أن يقال من مواساة فى مثل هذه الظروف ولكنها نفسى التى اشتاقت وحرمت وعطشت وما ارتوت حتى جفت أيامها واستوحشت من جديد ولا قدرة لى على إحكام النار تشتعل فى قلبى ولا السيطرة عليها وما أرجو غير رحمة ربى ومغفرته.

أكتب و لأزلت غير مدرك تماما إنها فعلا رحلت عن عالمنا ،
أكتب لكِ لعلى أستريح أخرج ما فى نفسى لا رافض ولا معترض على حكم ربى ولكنى متألم واللوعة تحاصرنى فأين المفر من ذلك الإحساس اللا متناهى من الألم،

في حيفا في هذا المكان مكثت لمياء سنين عمرها الأخيرة ، وفي تلك الزاوية جلست تلك السيدة الفلسطينية العظيمة،
التي فراقتنا بالجسد ولكن ستظل روحها الطيبة النقية تحوم حولنا
عزيزتي لمياء أرقدي بسلام أيتها الغالية
لروحك الطيبة النقية الحب والسلام
إلي اللقاء في مكان أفضل وعالم أنقى وأجمل
أفل نجمك و تبقى ذكراكي إلى الأبد في قلوبنا.

اظهر المزيد

مجلة مملكتي

مجلتنا هي نقطة شروع جديدة ومميزة لبناء أمرأة واسرة ومجتمع لائق ومتحضر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق