ثقافة وفن

وأرسلها لعشرة ممن تحب كفى نفاقًا مع النفس؟

كتب /دكتور أسامه حمدي

كان المماليك يضربون بعضهم البعض بالسهام والرماح من فوق قلاع منازلهم في قاهرة المعز وفي المساء يبنون مساجدًا ضخمة للتكفير عن ذنوبهم وقتلاهم طمعًا في مغفرة الله. كانوا يدسون السموم ليس لأعدائهم فقط ولكن لأهليهم لينتزعوا الحكم منهم أو يقضون عليهم ويذهبون بعدها الى المساجد جهارًا نهارًا حتى يَذكُرهم الناس بالورع بالتقوى. فأجمل مساجد مصر في عصر المماليك بناها أشرسهم وأكثرهم قتلًا للأبرياء وأدناهم فعلًا. واليوم لا تمر فيه ساعة واحدة إلا ويمطرك أحد رواد مواقع التواصل بالأدعية وحميد الخصال والتهاني على جميع المناسبات الدينية واللا دينية “قبل الهنا بسنة” أو كما يقول إخواننا السعوديون “قبل الزحمة”! وكأن الواحد منهم لم يفارق محرابه ولم يقم من على سجادته ومافتئَ للَّيل قائمًا متهجدًا وللفجر راكعًا متعبدًا. وعادة ما يرفقها بعبارة إرسلها لعشرة ممن تحب أو مائة ممن تعرف أو لكل كوكب الأرض مجتمعًا فهى فرصته وفرصتنا لجمع أكبر عدد من الحسنات السهلة بلا مجهود فربما ١٠ آلاف لايك أو مضاعفاتها تدخله الجنة بلا حساب!! والحقيقة لا مانع عندي أن يقتحم خصوصيتي أحدهم بهذه العبارات والادعية وحميد الخصال ولكن فقط إن كان هو فعلًا يطبقها في حياته اليومية عملًا لا قولًا…وتصرفًا لا مجازًا ويبغي فعلًا من قوله الموعظة الحسنة. ولكنك تجد أحدهم لا يتورع عن إغتياب الناس ونهش أعراضهم في الصباح لينهانا عن الغيبة والفحشاء في المساء! وإذا ذهب للعمل بقي فيه لدقائق معدودة صباحُا ويبعث لنا أحاديث العمل وآياته ليلًا وكأنه المخلص الوحيد في عمله!!! تصلني يوميًا بلا مبالغة مئات الأدعية وحميد الخصال والحِكَم التى أشك أن مرسلها قد كلف نفسه حتى بقراءتها أو الإتعاظ بما فيها قبل أن يمطرنا بها! ما هذا النفاق الفاضح مع النفس؟ هل يريد كاتبها فعلًا أن ينصحني بإخلاص أم يريدني أن أصدق عنه ورعه وحميد خصالة وأنا أعرف حقيقتها..!!! أم أنه كالببغاء يردد ما لا يعي أو يفهم؟ هل هذه الظاهرة الجديدة ككفارة المماليك على أفعالهم؟ أم هى إنعكاسًا للتقوى والورع وحميد الخصال الذي أصبح يسود المجتمع في المدينة الفاضلة التي نشم يومًيا رائحتها على صفحات الجرائد من فضائح وهتك لأعراض الناس وأكاذيب وشائعات؟ لقد أصبحت فعلًا حالة مرضية على مواقع التواصل في مجتمع عبثي!! وللأسف يخشى غيري أن ينتقدها بجرأة حتى لا يتهم بعداءه للدين وهو إتهام جاهز كمقصلة الثورة الفرنسية والدين منه براء. هل يصدق ناشري هذه الرسائل أنفسهم حقًا؟ ناهيك عن القصص المفبركة والمبالغ فيها والشعوذة والخزعبلات ووصفات العطارين والدجالين التى لا تنتشر إلا عند جهلة القوم فتلعب بعقولهم وتأجج مشاعرهم وكأننا مشينا رويدًا الى عصر الإضمحلال الفكري والثقافي فوصلنا بإصرار وتعمُد الى قاعه وما بقى أغم وأفجع! هل أصبحنا مجتمعًا تقيًا يسود فيه الصلاح والورع أم إنه نفاق بغيض ومواراة مع النفس؟. هل حقيقة ترون معي ما أري؟ وهل تخلفنا الى هذا الحد أم أن هناك تفسيرٌ آخر لهذه الظاهرة…أفيدوني بالله عليكم؟

الوسوم
اظهر المزيد

مجلة مملكتي

مجلتنا هي نقطة شروع جديدة ومميزة لبناء أمرأة واسرة ومجتمع لائق ومتحضر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق