ثقافة وفن

هل ضاع الحب أم أضعناه وضيعناه؟ إنت فين والحب فين؟ 

كتب دكتور أسامه حمدي

 

 

سؤال سألته بإستغراب قيثارة السماء أم كلثوم في سنة ١٩٦٠ على لسان الشاعر الرقيق عبد الوهاب محمد لحبيبها الذي لم يعد يفهم الحب أو يعرف كيف يعبر عنه قولًا وفعلًا. قالت له “إنت ما بينك وبين الحب دنيا..دنيا ما تطولها ولو حتى بخيالك!!” وبعد هذا العمر أرى أننا يجب أن نسأل نفوسنا المرهقة وعقولنا المُجهدة كل يوم نفس السؤال!! أين ذهب الحب في حياتنا..وكيف ضاع؟ كيف شوهه كتاب هذا العصر حين هبطوا بلغة الحوار فيه والتعبير عنه من روابي الكلمات الرقيقة والتعابير الولهانة الى سفوح الخناق والصوت العالي ومن قمم الولع واللهفة إلى قيعان الجذب والزق! ولكن حتى بعيدًا عن ما نرى ونسمع يبقى لنا سؤالي الأهم: أين ذهب الحب؟ كنا نرى أفلام الرومانسية القديمة لبنت المنصورة المحبوبة فاتن حمامة فنذرف الدموع صمتًا أو تخرج الآهات من صدورنا حارةً صادقة وكأننا نعيش نفس قصتها في اللقاء والمعاناة والوداع والألم! والآن لا نرى أمثالها في أفلامنا وإن رأيناها لا نحس بها! هل توقف الحب والشعور الصادق به؟ هل لم نعد نعرف كيف نعبر عنه كمن سبقونا ولكنه مازال موجودًا؟ بالتأكيد لقد حَرَمنا القدر من المعبرين ببراعة وسلاسة عن الحب نثرًا وشعرًا ونغمًا. فلم يعد لدينا من يسجل الصراع الدامي في الحب بين العقل الرافض والقلب المتيم كما فعل كامل الشناوي وهو يسأل بمرارة “أأنت قلبي؟” أو وهو يقول عن الصراع بين قلبه وعقله “بعضي يمزق بعضي” أو يصرخ بغضب “كوني كما تبغين لكن لن تكوني..فلقد صنعتك من هواى ومن جنوني”!!! كان عبد الحليم حافظ ينتزع الآهات من قلوبنا نزعًا وهو يقول بصوته الحزين الشجي “ياما خبيت الآلام..ياما شفت النور ظلام..ياما كنت أتمنى يوم إبتسامة”..أو يردد كلمات مرسي جميل عزيز التي لم يجد كمال الطويل لها لحنًا لمدة ٦ شهور وفي النهاية تركها كما هى ليقولها عبد الحليم بلا موسيقى “لو كان بإيدي كنت أفضل جنبك وأجيب لعمري ألف عمر وأحبك” لأنها أصدق قولًا لا نغمًا. كنَّا نصدقهما لأننا كنا نعيش هذه الاحاسيس ولا نستطيع مثلهم التعبير عنها فقالوها هم نيابة عنا وغنوها هم بشجن لمس قلوبنا! لا أنسى يومًا كنت أسير مع صديق عزيز في الطريق الترابي الممتد “وقتها” بين كلية طب المنصورة وقرية ميت خميس القريبة من الكلية وفجأة تعانق صوتانا عاليا في الهواء ونحن نردد موال عبد الوهاب الذي كتبه حسين السيد “أمانة لو يسألك في البعد عن حالي..تحكيله على جرى واللي بيجرالي..وقوله صاحبك حبيبك من ضنى جالي..وساب معايا سلام من الحلو الغالي..يهز قلب الحجر لو يسمعه الخالي”!! كانت سعادتنا لا توصف ونسيم الليل وسكونه يحتضن صوتنا ولا ينزعج من رداءته! في زمن الرومانسية كان كل شئ جميل ومبهج فنجاة تتحدى نفسها بكلمات شاعر العشق نزار قباني “سامحته وسألت عن أخباره وبكيت ساعات على كتفيه..وبدون أن أدري تركت له يدي لتنام كالعصفور بين يديه”…روعه في التعبير عن جمال المحبين في الصفح والبكاء ورقة المشاعر!! حتى الأغاني الداركة للعامة كانت جميلة ومعبرة ففايزة أحمد تقول بعفوية من كلمات فكهاني الحب مرسي جميل عزيز “وبحبك قد عينيه..حتى أكتر منها شوية…وإسألها إنت وحلفها…على طول حتقولك هىَّ إنت وبس اللى حبيبي مهما يقول العزال” وشادية تقول “دي الآه بقولها وهو ما يدراشى وفي بعده طعم الدنيا ما يحلاشي” هل مات هذا الحب في زحام الحياة وصخبها..؟ هل مات من الفقر والحاجة ولقمة العيش؟؟ أم هل مات بحوار السياسة والاعلام الهابط؟؟ هل ضاع الحب منا أم أضعناه وضيعناه؟ بالله عليكم أخبروني أين ذهب الحب في حياتنا؟ لم أعد أسمع قصصه أو التعبير الراقي عنه لا شعرًا أو نثرًا أو غناءًا. مرة سألت فناننا الراحل عبد المنعم مدبولي في أواخر أيامة “هو الضحك يا أستاذ مدبولي راح فين؟” قال “الضحك زمان كان بالسمنة البلدي لأننا كنا بنضحك من قلبنا” فعلًا من قلبنا حبًا وضحكًا!!!! إنت فين والحب فين….هل حقًا بينا وبينه دنيا؟؟؟

اظهر المزيد

مجلة مملكتي

مجلتنا هي نقطة شروع جديدة ومميزة لبناء أمرأة واسرة ومجتمع لائق ومتحضر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق