ثقافة وفن

هروب من مقبرة الحب:

أحمد علي صدقي/ المغرب.

أدخلتني أسرتي الفقيرة المدرسة الابتدائية ولم أكمل دراستي.. تربيت في البادية منشغلة بالطبخ ورعاية الغنم.. أبي رجل عنيف وأمي امرأة مطيعة له لا تناقشه في أي أمر من أموره.. عندما كبرت أصبح كل محيطي يحثني على الزواج.. كنت أعتبره قفصا زجاجيا تحبس فيه المرأة.. ترى كل شيء من واجهاته ولكن لا تستطيع التصرف فيه بحرية. إن حاولت كسره تضيع هي وتضيع كل أسرتها. كنت أسعى لرجل لا يدفعني لأنحني له فيتعالى علي، ولا لرجل يغضب علي كما يفعل أبي فيقلل من شأني. كنت آمل أن أحقق أملي وأتزوج بحبيب قلبي. الذي كبرت معه في قريتي و شاركته سنين صباي و شبابي.. لعبت معه.. تخانقت معه.. أهديته ابتساماتي البسيطة وأهداني عناقاته البريئة.. لكن…
زوجني أبي بابن عمي لي كنت أسمع عنه ولم تسمح لي الظروف بالتعرف عليه في صغري لأنه ولد بالخارج.. زوجني به، رغما عني فقط لأنه رجع وفي حوزته سيارة فخمة ورصيد كبير من المال..
إرضاء لعائلتي وكبحا لإرادتي تزوجت به.. ما كان علي أن أفعل إذ بهذا ضيعت من أحببته بكل قلبي، بل بكل جوارحي..
مرت على زواجي بابن عمي الغني بعض الشهور، كانت، رغم صعوبة التكيف مع مدها وزجرها، تميل إلى شبه تفاهم و رضى أتقمصهما خوفا مما تفرضه علي الظروف العائلية وتحسبا لما يجود به ابن عمي على عائلتي الفقيرة..
لا أنكر كيف كان بيت زواجنا كبيرا وبه كل ما أحتاجه.. لكنه كان فارغا من الحب الذي تغيب عنه بل ما دخله أصلا.. كنت أتظاهر بحبي لزوجي.. أضع له فوق وجهي قناع الابتسامة وأزين له جسدي بما يقدمه لي من أثمن اللباس.. كنت أحاول أن أتكيف مع الظروف لعل قلبي ينسى حبيبه القديم ويألف هذا الرجل الغريب عليه فيألفه وربما يحبه…
كان زوجي، عندما يخرج من المنزل صباحا لا يعود إليه إلا في المساء مبررا غيابه عن بيته وعني بالانشغال بالأعمال والبحث عن الزيادة في الأموال.. أصلا أصبح عندي حضوره كغيابه إذ كلما دخل كان هاتفه بيده وعيناه ملتصقتان على شاشته.. مع وحدتي في البيت وما أتقمصه من صفات نفاقيه لحضرته، صفات لم أرض أن تكون من صفاتي يوما ولكن كنت أتقمصها لأرضيه.. مع مرور أيام ملأتها روتينية قاتلة، سقط قناع الحب الزائف وكشفنا لبعضنا البعض عن حقيقتنا.. بدأت حياتنا يصيبها مرض الإهمال والجفاء والقسوة..
نهارا كنت لا أرى زوجي وإن حضر تجنبني أو خاطبني بقسوة حول أتفه الاشياء.. في الليل، من حين لحين، كانت تجود الليالي علينا بشيء من العطف في فراش النوم.. بعد طول احتمال قررت أن أبحث عن غير هذا الذي أسكن معه… قررت البحث عمن يحدثني وأحدثه.. عمن أبلغه أحزاني.. عمن أحكي له كيف أعيش حياة بئيسة مع زوج يهملني بالنهار ويروي بي عطش ذكورته بالليل.. اخترت إحدى مواقع التواصل الاجتماعي.. بدأت أتحدث فيه مع الكثير.. أدمج هذا في لائحتي و أحذف ذاك.. أكتب لهذا، وأسجل كلاما لذاك.. جمعت رصيدا من الأسماء لكن ما جنيت فائدة من جمعهم..
استقر قلبي يوما واستكان لأحد من تلك المجموعة. كان يعجبني كلامه.. كان كلامه حروفا حلوة، عرف بتراكيبه كيف يغازل قلبي.. عرف كيف ينسج ما به يهدئ من روعي ويجبر كسر قلبي المكلوم.. استولى علي من قمة رأسي إلى اخمص قدمي… ارتحت له.. بدأت أطلعه على مشاكلي الزوجية وبدأ هو كذلك يحدثني عن مشاكله مع زوجته..
أصبحت استثمر جل وقتي في التحدث معه حتى بحضور زوجي الذي كان حضوره كغيابه إذ كان يرجع من عمله ليأكل ما هيأته له ثم يخلو الى هاتفه حتى وقت متأخر من الليل.. كنت ألج فراش نومي وآخذ هاتفي وأغوص في أحاديث مع فارس أحلامي الافتراضي..
أصبحت أتناسى زوجي حتى وهو بجانبي.. لكثرة إهماله لي لم أعد أحتسبه سوى كومة لحم جامدة لا تحرك في ما يحركه وجود رجل قرب امرأة.. اكتشفت بديلا عنه، دفعني لأن اعتبر لحظة مغادرة عالمي الواقعي لحظة استراحة. أتيه فيها وسط ظلمات أغوار هذا العالم الافتراضي المتسع للكل والذي لا سلطان عليه ولا قانون له.. أتقنع فيه بقناع السعادة لأتناسى من بجانبي.. أكتب خاطرة واستمتع بردود من يردون عليها.. من بين من يردون تتابعا على خواطري، استرحت جدا لردود هذا الذي أطلق على نفسه اسم: “الفارس المجهول”.. كانت حروفه تحسني بدفء افتكر فيه ذلك الإحساس الذي كنت أحسه اتجاه حبيبي الأول وكنت أحاول إرغام قلبي على أسقاطها على زوجي لعلني أستطيع أن أحبه يوما ما. كم حاولت لكنه ما أعانني ولو بالقليل لأحقق هذا.. في أول أيام زواجنا قبل الخوض في أعماقه كنت احاول بناء جسر يصل بين قلوبنا لكن هذا القابع بقربي، لم يحاول أن يجود علي ولو ببعض كلمات حلوة تكون ملاطا للبنات بنائي.. تحرك بداخلي ما يحركه اشتهاء أنثى لذكر فتشدني اليه..
سألت “الفارس المجهول” عن اختيار هذا الاسم فقال إنه الاسم الذي راق له.. فسألته عن اسمه الحقيقي.. تردد ثم سألني عن اسمي أنا.. قلته اسمي “الوردة السوداء”.. وقبل أن يسألني عن اختياري لهذا الاسم قلت له اخترته اسمى لي لأن أمثالي قليلات كقلة الورود السوداء.. كتب لي: ههههه… ثم أخبرني حينها مستهزئا بأن اسمه الحقيقي هو سعي وهو اسم ينقصه حرف الدال ليكتمل فيكون اسمي هو سعيد.. فأنا اليوم “سعي..” وكم أتمنى أن أجد في صحبتك هذا الحرف الناقص، ثم أتبع حروفه ب: ههههه.. أجبته أنا كذلك ب: (ههههه..)
أخرجتني ضحكة هذا الذي بقربي من عالمي الافتراضي لعالمه الممقوت.. نظرت إليه فإذا به يبتسم ثم يضحك ثم يردد:
اللهم اجعلك هذا الحرف الناقص من اسمي لأسعد بك أيتها الطيبة.. قلت له:
– أمعي تتحدث؟ أجاب:
-بل مع نفسي.. غاص مرة أخرى كل منا في أغوار عالمه الافتراضي..
نظرت إلى حوار “الفارس المجهول” إذ به قد كتب لي:
لقد تمنيت أن تكوني فأل خير ونطقت بها جهرا فظنت زوجتي أنني أتحدث اليها.. نظرت اليه وانتابني شك أن “الفارس المجهول” هو زوجي. كتبت:
– لعل زوجتك اشتاقت لك و لكلامك؟ كتب لي:
لا أظن ذلك. فهي ألآن بقربي منكبة على هاتفها لا أدري ماذا تشاهد. كتبت له:
– لا تتناساها، فبالنسيان يذب الخلاف ومع الخلاف تخلق الكراهية. كتب لي:
– هي من تناستني. وهي من تخلت عني.. لم يمر على زواجنا إلا بضعة أشهر وأشعر معها اليوم وكأنني قضيت قرونا في قفصها الضيق..
تيقنت أنني في حوار افتراضي مع رجل تفصل بيني وبينه شاشة هاتف فقط وهو زوجي الذي بجانبي.. حدثت نفسي حينها وأنا في حيرة من أمري:
إنه هو. إنه سعيد زوجي. هو من يحاورني.. نظرت اليه وهو غارق في أفكاره. قلت سأبوح له بما اكتشفته.. لكن كيف أبوح له بأنني تعرفت على خيانته لي؟ وهل هي خيانته هو لي أم هي خيانتي أنا له؟ كيف أواجهه بهذا وقد خنته.. ولكن هل خيانتي له معه هي خيانة؟ وهل خيانته هو لي معي هي خيانة؟ اختلط عندي الحابل بالنابل فلم أعد أعرف رأسي من رجلي.. كم تمنيت أن أحبه حقيقة كما أحببته افتراضيا.. أحببته رغم أني لم أحبه من قبل… أحببته لشعره، لعطفه، لتغزله… كان يواسيني لما عرف محنتي مع زوجي؟ كان يسعى لإسعادي فمنحني حبا افتقدته.. كان يمنحني من الكلام الجميل ما ينقصني.. أحببته لكل هذا وكرهت هذا الذي بجانبي.. هذا الذي عنده من الحلاوة والطلاوة ما أريده ولكنه يبخل به علي في عالمي الحقيقي و يتكرم به علي في العالم الافتراضي.. ثم تساءلت لماذا نحن البشر هكذا نبحث عن الغابر ونهمل الموجود؟ نحب البعيد ونكره القريب؟ لقد احترت في أمري. كيف أكره هذا الرجل الذي بجانبي وهو نفس الرجل التي أحببته من وراء شاشة هاتفي؟ لم أشعر فنطقت بكلام مسموع:
– من منا الظالم ومن منا المظلوم؟ أهي العائلة التي زوجتني برجل لم أتعرف عليه من قبل؟ أم هو حظي؟ التفت الي مندهشا وقال:
– هل معي تتحدثين؟ قلت:
– نعم. لقد اكتشفت أنك أنت من يحدثني عبر الهاتف.. لقد اكتشفت خيانتك. فأنت من يغازلني من وراء شاشته؟ رد علي وهو مندهش يرتعش:
– إذا كان ما تقولينه صحيح فأنت أيضا خائنة؟ كيف تتحدثين مع رجل لا تعرفينه؟ كيف تقولين لرجل ما كنت تقولينه لي في حواراتك وتبوحين له بأسرار بيتنا..
تهت مع أفكاري متسائلة من منا الخائن ومن منا عكسه؟ من منا المقصر ومن منا القائم بواجبه؟ لا أنا ولا هو عرفنا حل هذا اللغز.. رميت بهاتفي جانبا واسرعت أقبل خده.. تركته مندهشا وذهبت الى الحمام لطخت شفتاي بحمر الشفاه ورجعت فقبلته مرة ثانية على خده الآخر تاركة رسم شفتاي فوقه وكأنني لم اقتنع بقبلة لم تترك بصمة على خده ففعلت هذا وقد احسست وكأني أمضيت فوقه عقدا بأن أحبه.. أخذ كمامة كورونا حجب بها أحمر الشفاه التي على خذه و خرج…
أحمد علي صدقي/ المغرب.

اظهر المزيد

مجلة مملكتي

مجلتنا هي نقطة شروع جديدة ومميزة لبناء أمرأة واسرة ومجتمع لائق ومتحضر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق