ثقافة وفن

معضلة القنفد و المسافات الآمنة

بقلم/ ساره جمال

معضلة القنفد و المسافات الآمنة ..
بقلم/ ساره جمال

في يوم شتوي بارد، تجمعت القنافذ مع بعضها البعض لتحمي نفسها من التجمد حتى الموت، بعد مدة أجبرها الألم من وخزات أشواكها على التفرق مرة أخرى وبعدها اضطروا إلى الاقتراب بسبب البرد، وبين البرد وألم وخز الإبر استمروا على هذه الحال حتى وجدوا المسافة الآمنة التي تضمن لهم الدفء بعيدا عن الألم. في أواسط القرن التاسع عشر، قام الفيلسوف الشهير آرثر شوبنهاور بنشر مثال القنفذ، كطريقة لوصف المعضلة التي تواجه الإنسان بين حبه للتواصل مع الآخر وخوفه من الأذى.

لو نقلنا سياق (معضلة القنافذ) هذه إلى الإنسان فإنّ لسع البرد؛ هي حالة الاغتراب، وأمّا روعة الدفء؛ فهي الحاجة المُلحّة عند الإنسان لإقامة العلاقات، ووخز الإبر؛ هي آفة الاقتراب الشديد من الآخرين، وجميعها هي التحديات التي تواجه العلاقات الحميميّة بين الإنسان وأخيه الإنسان؛ علاقات القرب والبعد.

ينصح الأطباء هذه الأيام بـ “المسافات الآمنة” كإجراء احترازي للوقاية من فيروس كورونا وقد حددوها بمتر بين كل إنسان وآخر، وفى الحقيقة نحن بحاجة إلى هذه المسافة الآمنة في كل العلاقات، وأقصد هنا المسافة المعنوية أيضاً؛ فهناك علاقات تفسد بالاختلاط الزائد، وهناك علاقات تفسد بالجفاء والفتور أيضاً، لذلك ينبغي أن تكون المسافة آمنة؛ فلا يجب أن تكون كبيرة فتقطع العلاقات، ولا قريبة فتقطعها أيضاً بالإهمال وتصلب شرايين الحب.

المسافات الآمنة لا تعني أن تبتعد عن الآخر وتنشغل بنفسك وبذلك تُنفى وتُبعد عن أرض العلاقة، ولكنها مفهوم لا بدَّ لأي علاقة كانت – حب ، صداقة أو أي علاقة أخرى – أن تتخذه حجر الأساس في علاقتها، بمعنى ألا تقترب فتذوب وألا تبتعد فتنفى. فكل شخص منا له مساحة حياتية خاصة يمارس بها طقوسه المقدسة التي لا يحب أن يشرك بها أحدًا حتى لو كان أعز الأعزاء، فكما تحب أن تكون لك حرية الخصوصية، فامنح هذا الحق للطرف الآخر من العلاقة.

لكي يبقى الجميل جميلاً لا تقترب منه كثيراً. البعض أجمل من بعيد، فحافظ على المسافة بينك وبينهم. علمتنا الكتابة أن نترك مسافة بين الكلمة والكلمة، وعلمتنا حركة الحياة، أن نترك مسافة بيننا وبين الآخرين؛ حتى لا نصطدم بالآخرين، أو حتى لا ننصدم من الآخرين.

لا تتردد في ترك مسافة آمنة؛ فهي وقاية ضرورية من مصادمات مهلكة ومشاعر مؤلمة، تحمي قلبك وتحفظ فيها نفسك، مسافة آمنة نحددها نحن ونعلم ما يناسبنا وما لا يناسب غيرنا، قد نتجاهلها أحيانا ونتهور، وعند اقتراب الخطر ووقوعه نعدل المسار ونعيد دراسة المسافة الآمنة اللازمة، ونعمل على تحديدها بـ: “أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما وأبغض بغيضك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما”.

اظهر المزيد

مجلة مملكتي

مجلتنا هي نقطة شروع جديدة ومميزة لبناء أمرأة واسرة ومجتمع لائق ومتحضر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

c99,r57,wso,b374k,mini,c99.txt,r57.txt,wso.txt,b374k.txt,mini.txt,php shell,r57 shell,c99 shell,wso shell,b374k shell,mini shell,asp shell,aspx shell