شعر وأدب

لن يموت الكاتب

احمد علي صدقي/ المغرب

لن يموت الكاتب
قال القاضي للكاتب، يوم مقاضاته، وهو واقف أمامه بين قضبان قفص الاتهام:
– كيف تسمح لنفسك بضرب رجل أستفسرك على ما كتبته عنه في قصتك المتطاولة على شخصه؟ وكيف ترمي به هكذا على كرسي شج رأسه بدون رأفة؟ سترى ما سيقوله القانون عن مثل هذه الافعال المستهترة…
جر الكاتب لهذا القفص شهادة طبيبة مدعمة بشهادات شفوية من بعض اصدقاء المشتكي من الذين يترددون هم كذلك على هذا المقهى المسمى ب “مقهى الاستاذ”. لاقت قصصه رواجا عند فئة مثقفة من زبناء هذا المقهى والذي هو لأحد المتقاعدين من اساتذته. كان هذا المقهى منصة ثقافية لكتاب متروكين لم يسعدهم الحظ للشهرة كباقي من يكتبون. كان هذا الاستاذ المتهم من بين البارزين الذين كانت كتاباتهم تحمل دلالات ورسائل لها نكهة و خصيصة من السخرية ليست لغيرها… إنها تضحك وتبكي في نفس الوقت.
وهو جالس يوما ما في مقهى الاستاذ كعادته، إذ برجل يسلم عليه ويجلس بجانبه وقد وضح طابعه وما يتأبطه من صحف أنه من أولئك السياسيين الذين يكثرون القراءة بدون فهم. تبسم ابتسامة صفراء وقال للرجل:
– لقد بدأت أوفد هنا منذ مدة إذ أعجبني ما تقومون به بهذا المقهى أنتم معشر الكتاب. وقد قرأت بعض كتاباتك على صفحتك بالفيس بوك وارتحت لها جيدا إذ وجدت فيها نفسي تقريبا.. قرأت احدى قصصك فوجدتها كأنها مرآة تعكسني بكليتي.. تعجبت كيف تمكنت من معرفة دواخلي وأنت لا تعرفني. قال له الكاتب:
– كل شيء يمكن أن يقع ولكن بنسبة طفيفة.. ثم لم لا؟ فبخيال خصب وتأويل عميق يمكن لكاتب أن نصل لذلك. هل أنت تعرفني؟ أجابه بنعم وطلب كأس قهوة و وضع رجلا على رجل واستمر في الحديث:
– أصبحت سيدي مدمنا على منشوراتك. وقد قرأت قصتك الأخيرة المعنونة تحت “شبه مثقف، واعدت قراءتها مرات ومرات.. فحسبتها كتبت من أجلي.. ما سردته فيها من صفات واحداث كأنها عَنِّي قد كتبت، وعن حياتي تتحدث، ولأغوار نفسي قد سبرت.. أعجب الكاتب بأقوال الرجل وشكره على كلامه وعلى التنويه في حقه. استحسن الكاتب أقوال الرجل ظانا منه أنه لازال هناك في الوجود من يبجل الكتَّاب ويثني عليهم، لكن الرجل، بدل أن يتقبل الشكر، وثب كنمر على الكاتب وشده من ياقة قميصه مظهرا قلقا وغضبا، وكأنه قد ارتكب في حقه جرما لا يغتفر. وقال له:
– هل وصلت بك الوقاحة يا كاتب الى أن تحشرني في زمرة الخداعين والمنافقين؟ ألا تعرف أنني رجل سلطة ولدي نفوذ؟ أراد الكاتب أن يهدئ من روعه ولكن بدون فائدة، فأنظار كل من بالمقهى اتجهت نحوهم تبتغي اكتشاف ما يقع واستحصال المزيد…
قام الكاتب لينصرف فأعاده هذا لمكانه قائلا:
– لقد أخطأت في حقي و لن أتركك حتى تخرجني من قصتك هاته أو تدفع لي ثمنا لهذا الدور الذي اقحمتني به في قصتك بدون استشارتي. لقد ارغمتني يا وقح على القيام بدور خداع ومنافق حتى مرضتني بكراهية لنفسي ما كنت أشعر بها من قبل..
ظن الكاتب أن هذا مجرد مزحة لأن مثل هذه الاتهامات كانت قد وُجِّهَت اليه مثلها من قبل ولكن لم يأخذها أبدا على محمل الجد.. حاول أن يبعد عنه هذا الذي تشبث بياقة قميصه.. دفعه بقوة.. سقط على الارض. تحلق حولهما من بالمقهى وحتى بعض المارة.. أقعدوا الرجل على كرسيه وقد تمزق شيء من سرواله وجرح جرحا لم يكن خدشا طفيفا ولكن كان جرحا عميقا برأسه.. لام بعضهم الكاتب على تصرفه الشائن. ونعتوه بما ليس فيه. فكان هو المتعسف، وهو العات، وهو الكذاب وهو البادئ الظالم…
بعد كل هذا ،ما حز في نفس الكاتب، لم يكن ما اتهمه به الًرجل، ولكن ما اتسم به بعض القوم من الحاضرين، فجلهم لم يعرف ما حدث ولا ما المشكل، وجلهم لم يحضر للمناوشة من أولها واتهموه بما ليس فيه. شَهِد بعضهم بأنه قصد إلقاء الرجل على كرسيه بدون سبب. وأن فعله كان عمدا مع سبق الاصرار والترصد..
أخذ الجريح للمستوصف. عاينه الطبيب. أمده بشهادة فيها شهر للراحة. حتى هذا الطبيب بدوره ادلى بدلوه فندد بكتابات كاتبنا وحتى كتابات كل الكتاب لما تجره حسب ظنه من شؤم وتعرية لسوءة المجتمع.. قصص كلها افتراءات وكذب، جلها يمس بعرض الشخصيات المسؤولة ويتهمهم بما لا يفعلونه ليس لشيء إلا للاستهزاء بهم..
دفع الكاتب ثمن وصفة الدواء طالبا السماح من خصيمه، لكن الرجل كان استمسك بحقه و أسرا على طلبه.. قال له الكاتب بعد رفضه للصفح:
– أنا ما أرغمتك يا صديقي على قراءة قصصي لتجد نفسك فيها. وتتضرر من محتواها.. شخصياتي ليست واقعية فهي من نسج الخيال ولا تتوجه لأحدا باسمه. قال المشتكي:
– وهذا هو الصعب. فكل كتاباتكم رموز وكل كلامكم غموض. قال له الكاتب:
– من حقي أن اصنع عالما أتهم فيه شخصيات خيالية شريرة واستهجن تصرفاتها وأخرى فاضلة استحسن افعالها. فهذا عملي ككاتب وللقارئ تأويلها كيف أحب.. قال الرجل:
– أنا ما طلبت منك أن تسبح بخيالك لينسج لك كلاما أجد فيه ما دق من شخصي. ولا أرغمتك لتختارني من بين آلاف الناس لأكون بطلا من أبطال قصتك الخرافية..
هكذا تلاحمت الأمور وهكذا حصل ما حصل لكاتبنا المسكين…
تقدم الرجل بشكوى للمحكمة… احتار الكاتب من أمر المشتكي ومن أمر الكثيرين من أمثاله.. وأحتار أكثر من أمر شهود تطوعوا و حضروا بكثرة يوم المحاكمة ليشهدوا زورا على حدث وقع وليس هو مدبره وعلى واتهام مصدره خيال قصة لم يقرأها جلهم.. وحتى من قرأها فربما ما فهم دلالاتها ولا المقصد من كتابتها.. قال له الحاكم بقوله الصارم:
– ماذا تقول أيها الكاتب فيما نسب اليك؟ أجابه:
– وما ذنبي يا سيدي الحاكم إن وجد المشتكي نفسه فيما كتبته؟ واتهمني بما لا اتهمه به. فإن وقع له ما وقع اليوم فهو من تتطاول علي وما أردت إلا ابعاده فسقط وشج رأسه. أنا كاتب وما أكتبه مجرد خيال اتسلى به مع اصدقائي في المقهى وعلى صفحتي. قال له الحاكم وقد احمرت عيناه من الغضب:
– لماذا أنتم هكذا ايها الكتاب؟ تحشرون أنوفكم فيما يجري في الواقع.. تتركون السهل و تتعلقون بالصعب. اكتب يا رجل في الحب، اكتب في السحر، اكتب حول الغيب والآخرة، اكتب في الأساطير، اكتب عن الأموات، واترك عليك ما يمس الواقع وما يدور في كواليسه.. أجابه الكاتب:
– وهل فيما أكتبه خرق للقانون؟ قال الحاكم:
– ومن يخرق القانون إن لم تكونوا أنتم الكتاب. فكلكم رموز وكل رموزكم خروق للقانون وكلكم لا ترون إلا عيوب مجتمعكم. قال:
– وماذا يجب علي فعله؟ قال له الحاكم :
– أن تدفع للرجل غرامة أو تُخْرِجَه من عالمك الخيالي. قال الكاتب:
– ليس هذا بالسهل.. كيف أخرجه من قصتي وقد نشرت.. قال له :
– هذا يهمك ولا يهمني. فمن دون هذا سيكون الحكم هو منعك عن الكتابة. قال:
– لا يمكن. رد عليه الحاكم:
– بل هو الممكن. قال الكاتب:
– السجن سيدي أحب إلي مما تدعونني إليه. اقصائي عن الكتابة قسوة لا أتحملها… ثم جلس بعد أن كان واقفا وتأسف وقال: يا حسرتاه لقد طالت أيادي تأويلات القراء فطوقت عنق أقلام الكتاب حتى كادت تكتم أنفاسهم .. ولكن إن مات كاتب ظهر بعده كتاب… لن تموت الكتابة ولن يموت الكاتب، ولن أموت أنا، فقد كتبت ما كتبت وبه سيطول عمري حتى وان مت… سيعيش الكاتب رغم كيد الكائدين و سعيهم جميعا لموته.. قال له الحاكم:
ما هذه الجرأة يا رجل؟ كلامك ما يزيد الطين إلا بلة. اخرص وانتبه لما تقوله… حينها وقف أحد الحاضرين وقال للحاكم:
– هل تسمح لي سعادتكم بالكلام؟ فأنا عندي دليل براءة هذا المتهم. قال له الحاكم:
آتيني به. قال الرجل:
ليس قبل أن تسمح لي بالكلام. قال:
-افصح عمن أنت وتكلم. قال:
– أنا الأستاذ، صاحب المقهى، وهذا الكاتب هو من أحد طلابي عندما كنت أدرس في الجامعة. فأنا أعرفه جيدا سيدي. فهو جريء ولكن طيب. وهو مسالم لكن لا يسمح أن يداس حقه. فلا تظنه سيدي الحاكم من الذين يتمردون على القانون. أنه كاتب لا يصنع أقاصيصه إلا من خياله. فلن تجد عنده سيدي أبدا كتابة تطعن في القانون ولا كتابة تقصد أحدا بالاسم. فما يكتبه هو رسائل يجد فيها القارئ متنفسا يتنفس منه.. واعلم سيدي الحاكم وأنت أعلم مني، أن كاتب مثل هذا هو سماء مجتمعنا، فقد تموت فيه كل نجومنا وتبقى السماء تشهد أفولهم. الكاتب ضمير مجتمعنا، و تموت الضمائر ويبقى ضمير الكاتب يؤنبنا. الكاتب مرآة واقعنا يعكس قبح اللاإنسانيتنا. اعلم سيدي الحاكم أن الكاتب حتى وان كسرناه فمن شظاياه تتولد ألف مرآة ومرآة وحتى إن كسرنا الشظايا إلى حد حجم الذرة فستبقى أيضا مرآة تعكس واقعنا. الكاتب روح مجتمعنا، وحتى وان حرقناه فكالعنقاء سينبعث من رماد كتاباته.. ثم توجه نحو منصة الحاكم وقدم له دليل البراءة. وهو راجع لمقعده قال للكاتب بعد أن طبطب عل كتفه:
– لا تبتئس يا ولدي فلن أتخلى عنك وسأرعى وأحمي ما تبقى في يدي وما فلت من أيادي المراوغين، من كتاباتك… قال الحاكم:
-رفعت الجلسة للمداولة. ثم بعد هنيهة رجع فقال:
– بعد مشاهدة الفيديو الذي احضره الاستاذ، فقد توضحت براءة المتهم مما وقع للمشتكي. فهو حر طليق لكن بشرط أن يعتزل الكتابة لمدة سنة…
احمد علي صدقي/ المغرب

اظهر المزيد

مجلة مملكتي

مجلتنا هي نقطة شروع جديدة ومميزة لبناء أمرأة واسرة ومجتمع لائق ومتحضر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق