ثقافة وفن

لغة الصورة في السينما

بقلم
المؤلف والمخرج
فارس البحيري

“إن التفاعل بين اللغة والصورة قد أصبح في ازدياد مطّرد، بإمكانك القول أن الحياة في المجتمع المعاصر تشبه الحياة بين صفحات كتاب قصصٍ مصورة. ومع ذلك، فإن اللغة نفسها لا تستطيع وصف الصورة بشكل دقيق.

على سبيل المثال، كيف تصف حدثاً ما؟ ماذا بإمكانك أن تقول لوصف أنه في الساعة الرابعة وعشرة دقائق بعد الظهر توجهت ماريان وجولييت إلى الورشة التي يعمل فيها زوج جولييت؟ ماذا ستقول لوصف ما حدث بدقة؟ هناك جولييت، زوجها، والورشة، ولكن هل هذه هي الكلمات والصور المناسبة لوصف ما حدث؟ أليست هناك احتمالات أخرى؟ هل أتحدث بصوت عالٍ؟ هل أتحدث من مسافة قريبة أم من الأفضل التحدث من مسافة أبعد؟

على سبيل المثال، هناك ورق شجر، وعلى الرغم من أن جولييت ليست واحدة من بطلات روايات فوكنر، ولكن أليس بإمكان أوراق الشجر بأن يكون ذا وقع درامي كورق الشجر في روايته (أشجار برية)؟ هناك أيضاً إمرأة الآن ستظهر على الشاشة، لا نعرف شيئاً عنها، وأنا حقيقةً لا أعرف ماذا أقول لأصفها بصدق. هناك سماء، وهناك غيوم، بالإضافة إليّ وأنا أدير رأسي بدون أن أحدق أمامي. هناك كلمات على الحائط.

لماذا كل اللوحات الإعلانية التي تجعلني أحتقر اللغة وتغمرني بالمعاني، لماذا كلها تقتل الحقيقة وتقيدها بالخيال؟ بالصور، بإمكان أي شيء أن يصبح في أفضل أحواله أو في أسوءها. ومن حولي، المنطق العام للجميع يريد أن يصلح العملية الصعبة لصنع منطقي الخاص.

توجد الأشياء، ويوجد البشر، ربما من الأفضل أن نبدي اهتماماً أكبر بالأشياء، لأنها ستظل موجودة أكثر من هؤلاء البشر. وربما لأن هذه الأشياء الجامدة حية، وأغلب هؤلاء البشر الصاخبين ميتون.
كل ما أفعله هو البحث عن أسباب لأعيش سعيداً، ربما لو تعمقت في هذا البحث أكثر، لوجدت أسباباً لأعيش. أولاً، لدينا ذكرياتنا، ثم لدينا حاضرنا ومن ثَمّ قدرتنا على التوقف قليلاً والشعور به. بمعنى، ربما نملك سببأ لأن نعيش بينما تمر بنا الحياة، ربما نتمسك بهذا السبب لبضعة ثوان بعد اكتشافه وسط الظروف الفريدة التي خلقته وأحاطت به. ميلاد أبسط الأشياء في عالمنا الإنساني، ثم قدرة الانسان على التمسك بها في خاطره يخلق عالماً متناغماً للحياة بين الإنسان وهذه الأشياء، هذا ما أقصده. وهذا أمر واقعي بقدر ما هو شاعري، ربما هذا ما يفسر رغبتنا الدائمة للتعبير. رغبة مَن؟ رغبتي، رغبة هذا الكاتب أو ذاك الرسام.

إنها الرابعة وخمسة وأربعون دقيقة، هل أصف حال جولييت الآن أم أصف ورق الشجر؟ على كل حال من المستحيل أن أصف كليهما في آن واحد، ولكن كلٌ منهما تنتابه رعشة خفيفة في هذا النهار اللطيف من آخر أكتوبر.”
Deux ou Trois choses que je sais d’elle – 1967
قبل أن يودع جودار اللغة بسبعة وأربعين عاماً.

السينما حياة

اظهر المزيد

مجلة مملكتي

مجلتنا هي نقطة شروع جديدة ومميزة لبناء أمرأة واسرة ومجتمع لائق ومتحضر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى