ثقافة وفن

قصة صير بمقاطع

بقلم المفرجي الحسيني

قـــصة قــصيرة… بمقاطع
——————————–
*: تراكمت السحب وأطبقت على الفضاء فحجبت نور الشمس وضاعفت من حرارة الجو… وغدا المساء قاتما مربدا تريق ميوعته اثقالا من الجفاف والشحوب…
*: أمطرت السماء بعد طول اختناق فلطفت من حرارة الجو… وتحرك النسيم فلاعب امواج البحر، تسنم سطوح اكواخ القرية ونزل الى الازقة وعابث الاشجار…
*: تكسرت اشعة الشمس على الأمواه فبدأت تجاعيد البحر كشفرات رفيعة تغرز ضياءها اللامع في بؤبؤ العينين.. رفع رأسه الى السماء كانت الشمس حارة وهاجة وتوجه بالزور الى الجنوب…
*: امسك عجلة القيادة حول الزورق الى الجنوب.. جثم فوق رؤوسهم ظل ثقيل.. انحسرت الموجة التي هزّت الزورق ، كان يهدر كحبيب قلب ارهقه الركض والخوف…
*: ما زال الشاطئ يلوّح كسيف بعيد لا تظهر منه الاّ سطوح البُرك…
*: ارى دخان يتصاعد فوق القرية ، دخان يلطّخ الافق، والنيران تتصاعد من عدة بيوت .. انها تحترق…
*: ارتّج الزورق وأهتز عاليا ثم غاص في جب اظلم انفغر كالهاوية في قرارة الامواج…
*: خيل اليه ـ وهو يثوي في قعر البحر ـ شعر بجبال الظلمة تلين وبغصة حادة تتحشرج في صدره لفظ الماء المالح من حلقه وذب عن عينيه قطراته…
*: رفع رأسه فرأى رمال الشاطئ تقترب..
*: نشر الفجر خيطه الابيض فوق الهضاب وزرع في حزام الافق بهرة وامضة انبثق منها ضياء وردي شفاف…
*: قال متأملا الضياء: سيكون اليوم أشدّ حرارة…
*: نصنع نور الشمس ،غمر الارض بفيضه الذائب …
*: القرية تشتعل…
*: النيران تضطرم في اكثر من مكان ناشرة دخانا رماديا يتأود في نور الشمس في انبثاقات خاطفة…
*: تسنمت الشمس كبد السماء فاشتد القيظ وحميت صولة الظهيرة ..
*: جفت الشفاه ويبست الحلوق ، ركب اليأس النفوس اختلجت اللهفة فوق الشفاه الظمآنة فزع الناس طوقوا الابواب يلتمسون جرعة ماء …
*: سال العرق غزيرا على وجهه…
*: احمّر الشفق توشح بضياء وردي مرقط بقتامة تشبه الدخان المتصاعد من وراء ستائر شفافة وعلى اهداب الافق الذي مالت الشمس فيه للغيب اخذ الليل يرخي نقابا من الظلمة فوق جبهة السماء كان النقاب خفيفا شفافا يلف في طياته اجراما دقيقة سوداء تبدو وكأنها تفتت من اوشال السحب المبعثرة على شكل خصلات شقراء تمزقت فوق وجه السماء …
*: رمق الغروب باكتئاب خيل اليه ان وحشت اضوائه انبعثت من انين الجرحى وحشرجات المحتضرين فوق محفات الاسعاف والدماء المسفوكة فوق اديم الارض…
*: هذا الغروب الذي لم يحل الاّ ان بلغت القلوب الحناجر ضهر في اضوائه المسفوحة في حمرة الشفق عذاب القرية بحرائقها ودمار بيوتها وضما سكانها وآلام جرحاها وتمزق اعصاب المحرومين من الراحة والهدوء والطمأنينة …
*: استيقظ من الشرود وراء افكاره.. ارسل النظرة حواليه القرية تغوص في ظلام الليل…
*: اوغل الليل في ظلامه واخذ البحر يخلع عن القرية وطأة الحر وينشر فوق سطوح المنازل المتبقية غلالة من النسيم بارد…
*: بدت انوار المصابيح اليدوية التي تتحرك على هديها المحفات واطياف الممرضات نحو المستشفى هالات قمرية ترتعش في قبضة غيم يحجبه الظلام .. وداخل المستشفى نشر ضوء شاحب ركد فوق الاسرة والممرات في ميوعة وذبول باهت.. تطلع الى السماء، غبشه النور تسطو على الظلمة .. ازقة القرية تتجاهل ولادة الفجر…
*: الصق ذهنه في امور محببة الى نفسه تنهد في اغتمام ورمى عقب السيجارة وداسه بقدمه…
*: الصباح يزرع ضياءه في امواه الطرقات واشعته تتلقف السنة لهب النيران فوق سطوح منازل القرية …
*: الصباح يغسل وجه القرية بنور جديد ..نور محترق .. يدّك الجدران ..ويلوي الحديد..
*:هبّت لفحة من القيظ على الرطوبة الغافية في ظلال الزقاق المعتم …
*: لاحت الازقة بظلالها وفراغها الموحش وكأنها تنتظر من وراء ألسِنة اللهب المتصاعد من كل صوب اثرا رهيبا يفوق الهدم والشنق.. خيوط الشمس المتكسرة على زوايا عطفاتها وعلى الجدران المتشققة والابواب والنوافذ ترقط الظل بضياء أخّاذ لكنها عباءة مرقعة خرقتها خناجر محماة .. هذه الظلال…
*: هذه الظلال كانت لسكان القرية مدارج ثابتة في سلم الزمن تتسلقها الحياة في كل ثانية لتردي للشمس اماني القرية احلام الصبايا اخيلة الاطفال ذكريات الشيوخ …
*: رددت الازقة صداً هائلا لدوي انهيار الجدران وسور القرية واللهب يتطاير من كل صوب تتثقب الجدران لتكون منها غرابيل

اظهر المزيد

مجلة مملكتي

مجلتنا هي نقطة شروع جديدة ومميزة لبناء أمرأة واسرة ومجتمع لائق ومتحضر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق