ثقافة وفن

فيروس كورونا بين العلم والدين بقلم دكتور محمد خضر عبدالكريم

كتب دكتور محمد خضر عبدالكريم

بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد أشرف المرسلين وإمام المتقين ورحمة الله للعالمين ومن دعا بدعوته واهتدى بهداه إلى يوم الدين .
وبعد،،،
فإن ما نزل بالعالم الذي نحياه من نازلة ألمت بهم؛ من وباء عالمي يسمى ( فيروس كورونا المستجد كوفيد 19 )، ينتشر عبر الاختلاط والاحتكاك، وعبر الرذاذ الخارج من الإنسان سواء عن طريق الكلام أم العطس أم السعال كما أفاد أهل العلم من الأطباء؛ فكان لزامًا علينا أن نبين حكم الشرع في هذا الفيروس من خلال الواجب الشرعي على الإنسان تجاه أخيه الإنسان مصداقاً لقول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ( المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسْلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة).
إن الدين الإسلامي أمر بالمحافظة على الإنسان ، وأخبر بان صحة الأبدان مقدمة على صحة الأديان مصداقًا لقول الله ـ تعالى ـ ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ..)، وبالتالي يجب علينا الالتزام بالأمور التالية حرصًا على مصلحة وطننا العزيز:
أولًا: عدم نشر الشائعات وإثارة البلبلة والخوف والهلع؛ لأن هذا أمر مذموم في الشريعة الإسلامية، وعمل غير أخلاقي ؛ لما يترتب عليه من الكذب، وقد قال الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ” [الحجرات: آية6] . ، دلت هذه الآية الكريمة على التثبت من الكلام عند سماعه، والتحقق منه ؛ حتى لا يندم الإنسان بعد أن تعجل في الحُكْم بدون بينة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ويل لمن يحدث فيكذب ليضحك به القوم ، ويل له )؛ ولان ترويع الآمنين أمر مذموم، ويعاقب الله ـ عز وجل ـ عليه العبد؛ مصداقًا لقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ( لا يحل لمسلم أن يروع مسلمًا )؛ ولأن الشائعات أخطر على المجتمعات من الأوبئة، وبناءً على ذلك: فإن الواجب في مثل هذه الظروف التي تمر بها البلاد أن تؤخذ المعلومات من أهل الاختصاص الممثلة في المصادر الرسمية المختصة بذلك.
ثانيًا: عدم الخروج من المنزل إلا للضرورة القصوى، وهذا يتفق مع قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عندما سئل عن طريق النجاة. قال: ( أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك )، ونظرًا لما ألم بالعالم كله من انتشار هذا الفيروس بسرعة كبيرة، ويتزايد، وتسبب في وفيات كثيرة، فالزم بيتك، ونهى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن الخروج من الأرض التي وقع بها الوباء أو الدخول فيها، لما في ذلك من التعرض للبلاء وحتى يمكن حصر المرض في دائرة محددة، ومنعا لانتشار الوباء وهو ما يعبر عنه بالحجر الصحي،
بقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لصحابته الكرام ـ رضي الله عنهم ـ:ـ ( إذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه).
ثالثًا: يجب الالتزام والسماع لأولى الأمر القائمين على الأحكام الشرعية، وعدم الخروج لصلاة الجمعة أو الجماعة في المساجد؛ بعدما قرر الأطباء تفشي هذا الوباء وانتشاره في الاختلاط ، وهذا أمر معمول به في الشريعة الإسلامية، بما روي في الصحيحين: “أن عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ قال لِمُؤَذِّنِهِ فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ: إِذَا قُلْتَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فَلاَ تَقُلْ حَيّ عَلَى الصَّلاَةِ، قُلْ: صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ، فَكَأَنَّ النَّاسَ اسْتَنْكَرُوا، قَالَ: فَعَلَهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي، إِنَّ الْجُمُعَةَ عَزْمَةٌ، وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أُحْرِجَكُمْ، فَتَمْشُونَ فِي الطِّينِ وَالدَّحَضِ”. وهذا يتفق مع قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ( لا ضرر ولا ضرار )، والقاعدة الفقهية: ( ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح )، ومخالفة ولي الأمر في ذلك يتناقض مع النصوص الشرعية، ويتعارض مع القواعد الفقهية، وكل من يخالف ذلك آثم ومعتد على شريعة الله.
رابعًا: يجب التعاون على البر والتقوى في هذه الأزمة لا على الإثم والعدوان من قيام بعض التجار باحتكار السلع، وحجبها عن الآخرين من أجل ارتفاع سعرها مع شدة حاجة الناس إليها؛ لأن الاحتكار محرم شرعًا، بل إن الاحتكار في الأزمات أشد حرمة من الاحتكار في الظروف العادية، ونهي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن ذلك ( لا يحتكر إلا خاطئ )، بل اخبر النبي ـ صلى الله عليه وسلم بأن المحتكر برئت منه ذمة الله، فقال: ( من احتكرَ طعامًا أربعين ليلةً فقد برئَ من اللهِ وبرئَ اللهُ منهُ وأيما أهلِ عرصةٍ بات فيهم امرئٌ جائعٌ فقد برئت منهم ذِمَّةُ اللهِ )؛ بل توعد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ المحتكر بقوله: ( مَنْ دَخَلَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَسْعَارِ الْمُسْلِمِينَ لِيُغْلِيهُ عَلَيْهِمْ فَإِنَّ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ يَقْذِفَهُ فِي مُعْظَمٍ مِنَ النَّارِ ) فالواجب على الجميع التعاون والتكافل فيما بينهم، وعدم الإسراف في الاستهلاك، ويأخذ ما يكفيه، فإذا كان الإسراف حال الظروف العادية غير واجب، ففي حال الأزمات أولى وأوجب، وهذا ما يدل عليه قول سيدنا عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ عندما شكى الناس غلاء ثمن اللحم: قال: أرخصوه. قالوا كيف نرخصه، وهو ليس في أيدينا ؟ قال: اتركوه لهم، مما يدل على أن غير المحتاج للسلعة يتركها لمن هو في احتياج لها، فيساعده من باب البر على الحصول عليه، ورخص ثمنها.
خامسًا: الإكثار من الدعاء بالقنوت في الصلاة لهذه النازلة التي ألمت بالمسلمين، وفي غير الصلاة، والتوبة والاستغفار والرجوع إلى الله ـ عز وجل ـ ؛ وليعلم الجميع أنه ما نزل بلاء إلا بذنب، ولن يرفع إلا بتوبة، فالواجب على الجميع أن يرجع إلى الله؛ بأن يرد المظالم إلى أهلها، ومن اعتدى على حق أحد من الناس يوديه إليه، ويطلب منه السماح والعفو، وأن لا يعتدي الجار على حقوق جاره، ومن أكل حقوق اليتامى يرجع عن ذلك، ومن أكل الربا يتوب من ذلك، ومن ظلم أباه وامه، واكل حق أخته في الميراث الشرعي يتوب من ذلك، ويرد الحقوق إلى أهلها، ومن قتل، وسفك، وزنا، وسرق، وأخذ الرشوة يرجع إلى الله، ويجدد التوبة، ويندم على ما فعل، ويعزم أن لا يعود مرة ثانية، فإن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين، وأن يحصن الإنسان نفسه من كل ضرر وأذى وسوء بالتوجيهات النبوية التي علمها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لنا، بقوله: ( أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق )، وأن يكثر من الاستغفار بسيد الاستغفار ( اللهم أنت ربي لا اله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت وابوء لك بنعمتك على وابوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت)، ( وتحصنت بذي العزة، واعتصمت برب الملكوت، وتوكلت على الحي الذي لا يموت، اللهم اصرف عنا الوباء، بلطفك يا لطيف، انك على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير )، وأن يقول الإنسان صباحا ومساء ( بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ) وغير ذلك من الاستغفار والأدعية التي لا حصر لها، لكن أحببت ذكر البعض منها.
سادسًا: يجب إتباع الإرشادات العامة التي أوصت بها المصادر الطبية من النظافة والطهارة باستمرار وتعقيم الأسطح والمنازل، والأكل الصحي الذي يعزز ويرفع مناعة الإنسان.
الله أسأل أن يحفظ مصر، وأهلها، وأزهرها، وجيشها، وشرطتها من كل أذى وسوء، وان يرفع البلاء والوباء والأمراض والغلاء عن الإسلام والمسلمين يارب العالمين.
د: محمد خضر عبدالكريم
مدرس الفقه بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بنين بالشرقية جامعة الأزهر الشريف.

اظهر المزيد

مجلة مملكتي

مجلتنا هي نقطة شروع جديدة ومميزة لبناء أمرأة واسرة ومجتمع لائق ومتحضر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى