قصص
أخر الأخبار

فرح فريدة (قصة قصيرة)

بقلم
المؤلف والمخرج
فارس البحيري

إلي إبنتي المستقبلية فريدة فارس البحيري،
لم تكن فريدة قد بلغت الثالثة حينما قررتْ إقامة زفاف لأحبِّ عرائسها. كان المعازيم كثيرين، دباديب قطنية ملونة، نحيفة وسمينة، طيبة وبلهاء، وكلاب سعيدة، وكثير من الفتيات الجميلات، نحيفات وممشوقات ومتأنقات، وسائقى قطارات وسيارات ودراجات بخارية وعساكر وقرود وزرافة، بينما خلا الزفاف المنتظر سوى من رجل واحد متأنق، يشبه العريس كأنه توأمه.
استيقظتْ فى السادسة صباحاً، وسقطت عليها حزمة ضوء من شباك وتوقفت لحظة لتنظر إلى ظلها العملاق على الحائط ومدت إصبعاً رقيقاً لتلاعبه. كنا فى الطابق الحادى والعشرين على بُعد عدة طوابق من الشمس.
كان كرشها الصغير يتدلى أمامها، وكانت تسير مثل “بطوط”، وكانت خطواتها تنطبع على الأرض، خطوة أمل، وخطوة بهجة، تنتقل من غرفة إلى أخرى، لتتأكد من أنها لم تنس أحداً من أفراد عائلتها الكبيرة، كانت لحظة مهمة لا يجب أن يفوّتها أحدهم، ثم إنها تحبهم جميعاً، كلهم أبناؤها وكلهم يزورونها فى أحلامها، وتزورهم فى أحلامهم، غير أن مشكلة طارئة، مشكلة صغيرة كادت أن تعصف بكل شىء، فقد إكتشفت أن العريس لا يثبت فى “قعدته”، وكلما عدلت وضعه ينكفئ على وجهه بشكل محرج أمام الضيوف. كانت ساقه اليمنى غير موجودة، أمسكت بنطلونه، ووجدته ممتلئاً بساق فى ناحية، بينما أطبقت أصابعها النحيلة القصيرة على فراغ الناحية الأخرى، وكادت أن تنفجر فى البكاء، غير أنها تذكرت أن ذلك أمر متكرر منه، وأنه يترك ساقه خلفه دائماً هنا وهناك فأوقفت دموعها فى اللحظة الأخيرة وابتسمت. كان عليها أن تبحث، وعادت لتقطع المسافة بين غرفة وأخرى، كانت تختفى خلف باب، وتظهر لثوانٍ أمام آخر، تنظر أسفل كنبة أو طاولة، كانت متجهمة، لكنها لم تفقد حماسها لحظة رغم أن الساعة تجاوزت الثامنة صباحاً، ثم توقفت فجأة ونظرت إلى شبيه العريس.
تطلعت إليه ويبدو أنه كان يتطلع إليها، ثم مدت يدها وقربت وجهه منها، ثم أمالته، وهمست فى أذنه بشىء ما، ثم خلعت ساقه ببطء وهدوء، وقبَّلته وأعادته إلى مكانه، فانكفأ على وجهه، لكنها لم تتركه إلا بعد أن أسندته إلى أحد الدباديب، واستقر ناظراً باتجاه العريس، وبدا لها أن وجه العريس أشرق فى هذه اللحظة حينما أدرك هبة شبيهه العظيمة. ساق كاملة جديدة، وتوازن حديدى. فى هذه اللحظة فقط، لمعت عيناها، وجلجلت ضحكتها الملائكية وأيقظت سكان المهندسين سعداء لأول مرة منذ فترة طويلة. إهداء إلى طفلتي المستقبلية التي لازلت أبحث عن والدتها، إلي اللقاء يا ملاكي الحارس،

اظهر المزيد

مجلة مملكتي

مجلتنا هي نقطة شروع جديدة ومميزة لبناء أمرأة واسرة ومجتمع لائق ومتحضر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق