ثقافة وفن

الزجل

 

إبن قزمان وظهور الزجل :

قرأنا في الحلقة السابقة عن تعريف الزجل ومعنى كلمة الزجل باللغة العربية ثم أنواعه وموضوعاته و نقرأ اليوم عن إبن قزمان الذي يعتبر أول من إخترعه :

يقول عباس الجراري أن بداية كلمة الزجل في معناها الإصطلاحي مرتبطة بظهور هذا الفن، وإذا رجعنا إلى مختلف المصادر التي عنيت بالإشارة إلى نشأته فإننا نجدها تكاد تجمع على أن الذي إخترعه هو إبن قزمان. ويعرض أحمد الرباط في كتاب “العقيدة الأدبية في السبعة فنون المعنوية” حكاية تقول :”أن أول من تناشد به الشيخ أبو بكر بن قزمان المغربي، وإسم إبن قزمان غير عربي وجرسه أسباني بحت، ويخبرنا أصحاب التراجم أن بني قزمان يرتفع نسبهم إلى مولد عرف بإسم إبن قزمان الزهري، وكان مقام بني قزمان في قرطبة منذ القرن الرابع على الأقل.
إسمه أبو بكر محمد بن عيسى بن عبد الملك ويلقبه بعضهم بلقب الأصغر، تمييزاً له عن سمي له هو عمه أبو بكر محمد بن عبد الملك الأكبر، وكان العم شاعرا كلاسيكياً على شيء من الشهرة .
ولد إبن قزمان بعد معركة الزلاقة (479هـ)، ببضع سنين، وهي المعركة التي بدأ بها تدخل المرابطين في الحياة السياسية الأندلسية.

وقضى إبن قزمان حياته في قرطبة، ولكنه إرتحل لزيارة مدن الأندلس الكبرى، وإتصل في غرناطة بشاعرة مشهورة هي ” نزهون ” ، وكان في قرطبة وفي كل المدن التي زارها مقرباً من حماة الأدب الأندلسي، فمدحهم بمدائح، ومات في قرطبة عام 550هـ، بعد أن جاوز الستين، وترك ولداً واحداً إسمه أحمد، وأقام أحمد هذا بمالقة، ومات بها أول القرن السادس الهجري، وتدلنا بعض أشعار إبن قزمان على صفاته الجسمية: كان أشقر الشعر، أزرق العينين يتكلم الرومانية كما يتكلم العربية، وعلى حظ من الثقافة القديمة، لأنه حاول في شبابه قرض الشعر على الطريقة القديمة،
وكان إبن قزمان أول عمره يقرض بلغة معربة، ثم رأى أنه لم يبلغ في ذلك مبلغ كبار الشعراء في زمانه، كـإبن خفاجة فعمد إلى طريقة لا يمازجه فيها أحد منهم فأصبح إمام الزجل المنظوم بكلام عامة الأندلس وكان عزمه على صرف جهده وصنعته الشعرية إلى اللغة العامية عزماً حكيماً، وشاهد ذلك ما لقي من توفيق وما كان من ذيوع فنه إلى ما وراء الأندلس وبلوغ صيته إلى بغداد نفسها.
خرج مرَّة إلى متنزه مع بعض أصحابه؛ فجلسوا تحت عَريش وأمامهم تمثال أسد من رخام يصب الماء من فيه على صفائح من الحجر، فقال زاجلاً:

وعريشْ قد قام على دكَّـان
بحــال رُواقْ
وأســد قد إبتلعَ الثُّعبـان
في غِلَظِ سـاقْ
وفتح فمَهْ بحالْ إنســـانْ
بـه الفَــواقْ
……………………..
ومن أزجاله التي سارت في الناس قوله:

أُفني زماني على إختيـاري
وأقطع العمـر بإجتهادْ
لم يخْلُ حسّ الطَّربْ بداري
حتى يميلْ راسِ للوِسادْ
واحدْ مؤذّنْ سـكنْ جِواري
شـيخْ مليحْ أزهد العِبادْ
إذا طلعْ في السَّحَرْ يَعِظْنِي
يقـولْ حيَّ على الفلاحْ

ثم خرج بالزجل إلى غير الغزل والمجون، فجعله في الوصف والمديح والشكوى، فمن ذلك قوله شاكياً دهره بالعيد:
قُلّي يا عيدْ فيما يسرُّني جِيتْ
أو تجدِّدْ عليّ ما قد نسيتْ
إذا إنقطعْ زمــاني الأطولْ
وعليه الثَّنا يكون ما بقيتْ

ظل إبن قزمان زعيم صناعة الزجل وإمام الزجالين بالأندلس مطلقاً، إذ يرجع إلى مهارته في نظم الزجل ولعُ الأندلسيين والمغاربة بهذا الفن المستحدث، فنظموا على طريقته، وخرجوا عن الأوزان الخليلية المعروفة، وإن ظهر النظم في بعض زجلهم، غير أنَّهم تركوا الإعراب في كل حال، ولذلك قال إبن قزمان:
وجرَّدت فنِّي من الإعراب
كما يُجَرَّدُ السَّيف من القِراب
قال ذلك نهياً عن تقصد الإعراب وتتبعه والإستكثار منه؛ لئلا يغلب على معظم أزجالهم.
ذكر لسان الدين بن الخطيب أنه كان «نسيج وحده، أدباً وظرفاً ولوذعية وشهرة»، وكان شاعراً أول شأنه؛ غير أنَّ شعره قصَّر عن شعر أعلام العصر كإبن خفاجة، فلما إنصرف إلى الزَّجل إشْتُهِر، فمن شعره قوله يعتذر إرتجالاً وقد رقص في مجلس شراب، فأطفأ السِّراج بأكمامه:
يا أهلَ ذا المجلس السَّامي سرادقُهُ
ما مِلتُ لكنَّني مالتْ بيَ الرَّاحُ
فإنْ أكنْ مُطفئاً مصبــاحَ بيتِكُمُ
فكلّ مَن فيكمُ في البيت مصباحُ
لايخلو بعض شعره من تكلُّفٍ في اللفظ، أما سائر غزله فرقيق عذب، يصلح للغناء لحلاوة اللفظ وطلاوته كقوله:
يا رُبَّ يومٍ زارني فيه مَن
أطلــعَ من غرَّتهِ كوكبا
ذو شــفةٍ لمياءَ معسولةٍ
ينشعُّ من خدَّيه ماءُ الصبَا

وقد بقيت آثار إبن قزمان العامية محفوظة كاملة تقريباً إلى الآن في مخطوط وحيد نسخ بصفد بفلسطين منتصف القرن السادس ومحفوظ في متحف ليننغراد الآسيوي، ونشر عدة مرات نشراً غير جيد، ولكن المستشرق الفرنسي ج.س.كولان نشره أخيراً بشكل محكم”.

بقلمي سمير سالم

اظهر المزيد

مجلة مملكتي

مجلتنا هي نقطة شروع جديدة ومميزة لبناء أمرأة واسرة ومجتمع لائق ومتحضر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى