ثقافة وفن

اللغة العربية لغة القرآن ورمز الهوية وبوابة التاريخ

بقلم : سامى علوان

منذ عدة أيام مضت احتفلنا باليوم العالمى للغة العربية
وإن قوة اللغة هي نتاج لقوة الأمة التي تتحدثها، وركيزة قوية لبقائها ووَحْدتها، ولقد أدرك الكثيرون من المفكرين أن اللغة واحدة من الوسائل التي تسهم في وَحدة الأمم وتعميق التواصل والتعارف بينها؛ يقول الفيلسوف الألماني (فيخته): “اللغة تجعل من الأمة الناطقة بها كُلًّا متراصًّا خاضعًا لقوانين،إنها الرابطة الحقيقية بين عالم الأجسام وعالم الأذهان”،ولا شك أن استغلال وجود لغة واحدة يجتمع تحت ظلالها الجميع يمثِّل خطوة كبرى في طريق الوحدة إذا أُحسن استغلالها، فإنها تكون مِن أهم وسائل الترابط الذي نحن في أمس الحاجة إليه،وبضعفها نكون قد فقدنا واحدة من أكبر الوسائل للقوة والتوحُّد.كما أن لغة أي أمة هي تخليد لحضارتها، وبيان أثرها في التاريخ، وأساس لقدرتها وبناء مستقبل أبنائها، وبها تتشكل إبداعات الأمة الفكرية والأدبية، وبضعفها تضعُفُ قوة أي أمة على التنافس وإثبات الذات والثبات أمام التيارات المخالفة لتكوينها وفكرها وثقافتها، ويكون نتاج هذا الضعف هو الانهزام والتقهقر والتخلف، ومن ثم رأينا الأمم القوية دائمًا تسعى إلى نشر لغاتها التي هي الطريق لفرض الهيمنة الثقافية وإذابة هوية الآخر وأسره داخل إطارها الحضاري بعد إضعاف جذوره الفكرية وخلخلة قِيم الانتماء لديه، وهي في نفس الوقت تسعى إلى تشويه وإضعاف كل ما يمكن أن يُشعِره بأصالة حضارته، أو يظهر له مواطن قوتها، ومن خلال ذلك يتم غرس مشاعر الإحساس بالدونية الحضارية الذي هو نتاج للجهل اللغوي والتاريخي؛يقول مصطفى صادق الرافعي: “ما ذلَّت لغةُ شعبٍ إلا ذل، ولا انحطت إلا كان أمره في ذهابٍوإدبارٍ، ومن هذا يفرض الأجنبي المستعمر لغته فرضًا على الأمة المستعمرة، ويركبهم بها، ويُشعرهم عظمته فيها، ويستلحقهم من ناحيتها، فيحكم عليهم أحكامًا ثلاثةً في عملٍ واحدٍ: أما الأول فحبس لغتهم في لغته سجنًا مؤبدًا، وأما الثاني فالحكم على ماضيهم بالقتل محوًا ونسيانًا، وأما الثالث فتقييد مستقبلهم في الأغلال التي يصنعها؛ فأمرهم مِن بعدها لأمره تَبَعٌ”، ولقد أدرك بعض رجال أمتنا هذه الحقيقة فأضافوا إلى أساليب مقاومة المحتل الحفاظَ على الهوية عبر التمسك بالدين واللغة، وقد بين الفرنسي (جاك بيرك) كيف استطاع المغربُ العربي الحفاظ على انتمائه قائلًا: “إن أقوى القوى التي قاومت الاستعمار الفرنسي في المغرب هي اللغة العربية، بل اللغة العربية الكلاسيكية الفصحى بالذات، فهي التي حالَتْ دون ذوبان المغرب في فرنسا، إن الكلاسيكية العربية هي التي بلورت الأصالة الجزائرية، وقد كانت هذه الكلاسيكية العربية عاملًا قويًّا في بقاء الشعوب العربية”.
ويكفي اللغةَ العربية شرفًا أنها اللغة التي اختارها الله عز وجل لكتابه الكريم، الذي يتلى الآن في ربوع الأرض، ويتبارى المسلمون – عربًا وغير عرب – في حفظه وتلاوته، كما يسعى الكثيرون إلى فهمه ودراسته وبيان أسراره ومعرفة أحكامه وفقه شريعته، وذلك لا يتم إلا بدراسة اللغة التي نزل بها، والتنقيب عما تحويه من مزايا جعلتها المؤهَّلة لتكون لغة الوحي المعجِز، ذلك الذي جعل “الإقبال على تفهمها من الديانة؛ إذ هي أداة العلم، ومفتاح التفقه في الدين، وسبب إصلاح المعاش والمعاد” على حد تعبير أبي منصور الثعالبي، ولقد قال سيدنا عمر بن الخطاب من قبل:”تعلَّموا العربية؛ فإنها من دينكم”، كما قال رضي الله عنه: “أما بعد، فتفقهوا في السنَّة، وتفقهوا في العربية، وأعربوا القرآنَ؛ فإنه عربي”.
واللغة العربية هي لغة ثلاثمائة مليون شخص، ويتعبد بها أكثرُ مِن مليار مسلم، ولقد عرفتُ الكثيرين من المسلمين غير العرب ممن يرون إتقان العربية هو واحدًا مِن أكبر أمانيهم، في الوقت الذين لا نعتني بها نحن العرب حق عنايتها، ولا نعطيها حقها في أن تكون لغة الحياة والعلم، وهي الغنيَّة بخصائصها، التي تتفوق على غيرها بروعة بيانها ودقة أساليبها، وغزارة معجمها، وجمال معانيها، واللغة هي الوسيلة لتعارف هذه الأمة وترابطها، والاحتفاظ بتراثها الحضاري، وحفظ هويتها.
ولقدعُنِيَ سلفنا الصالح باللغة غاية العناية، وكان مبعثهم على ذلك العناية بكتاب الله وسنَّة رسوله، إضافة إلى حبهم للغتهم ومعرفتهم لما فيها من الجمال والروعة، وكانوا ينفِرون من اللحن في الكلام ويرونه عيبًا يستحق أن يعاقب مَن يقع فيه، ومِن ذلك ما يروى أن عمر رضي الله عنه أمر بعزل كاتب أبي موسى الأشعري وجلده سوطًا؛ لعدم تمكنه من قواعد العربية؛ إذ كتب خطابًا إلى عمر يقول في مفتتحه: مِن أبو موسى الأشعري إلى عمر بن الخطاب، والصواب: مِن أبي موسى،وعن عمرو بن دينار: “أن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما كانا يضربان أولادَهما على اللحن”، وكان عبدالملك بن مروان يقول: “اللحن في الكلام أقبحُ مِن التفتيق في الثوب، والجدريِّ في الوجه”، وكان يقول: “شيَّبني طلوع المنابر وخوفُ اللَّحْن”.
وضعفُ اللغة العربية يترتب عليه عجز عن إدراك علوم الشرع ومعرفة متطلباته، بل الوقوع في تأويلات خاطئة تتنافى مع المقصود من النصوص الشرعية؛ ولهذا يقول مالك رحمه الله:”لا أوتى برجل غير عالمبلغةالعرب يفسر كتاب الله إلا جعلتُه نكالًا”، وجعل علماء أصول الفقه من شروط المجتهد أن يكون عالمًا بالعربية؛ قال الأنصاري الحنفي: “مِن شروط المجتهد أنه لا بد من معرفة التصريف والنحو واللغة”، وهكذا في كل علوم الشرع، بل كان العلماء منهم يحبون لغتهم ويعتزون بها للدرجة التي جعلت أبا الريحان البيروني يقول: “لأن أُشتَمَ بالعربية أحبُّ إليَّ مِن أن أمدح بالفارسية”.
ولقد أدرك السلف أن قوة أمتهم من قوة لغتهم، وأن غيابها أو ضعفها سيؤدي إلى التشتت، وأن الحفاظ عليها هو حفاظ على الحضارة الإسلامية التي مهما طال ضعفها فإنه يبقيها ويعيدها إلى ما كانت عليه من قوة اجتماعها حول محوري الدِّين واللغة.

اظهر المزيد

مجلة مملكتي

مجلتنا هي نقطة شروع جديدة ومميزة لبناء أمرأة واسرة ومجتمع لائق ومتحضر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق