ثقافة وفن

الكتان

كتب / دكتور مسعد السيسي

عم عبده لا يملك إلا ذلك العدد القليل من القراريط التي يزرعها بالكتان. ورث المهنة أبا عن جد ، .ينزع سيقان الكتان ،ويربطها في حزم ، ويتركها لتجف في الشمس، ثم يمر عليها بمشط خشن يزيل عنها البذور. كان الرجل رغم ضآلة جسده ، ورغم ساقيه النحيلتين ، وعظام وجهه البارزة، يعمل كثيرا بنشاط ، فيقوم وحده برفع الحزم لنقعها في ماء حوض الماء الكبير المحفور إلى جانب أرضه . بعد عدة أيام كان عم عبده يقوم بتجفيف الكتان المنقوع ، ثم يفصل أليافه.
تقوم أمينه زوجة عم عبده وبناته بنسج الخيط ، لصناعة منتجات ، بعضها ذات نوعية جيدة ، أغطية المائدة ، والأقمشة الرقيقة ، والبعض الآخر من النسالة خشنة الملمس. يقوم عم عبده بالذهاب الي السوق ،وبيعها للحاج يوسف فيكفي ثمنها لإعانته على أمور الحياة
في الأسابيع الماضية أخبرت أمينة زوجها بأمر جلل يحدث لها. ظلت أمينة تحكي لزوجها ، وهو يستمع باهتمام بلا تعليق. لكنه بعد انتهاء حكايتها ينظر حوله حتى يضمن أن لاأحد يسمعه ، ويقول لها بلهجة آمرة ..الكلام ده ميطلعش بره .، ده رزق وجالنا من السماء.، لو حد عرف الكلام ده ،الرزق ده هيروح مننا. تهز أمينة رأسها مؤكدة علي كلام عم عبده …
كانت أمينة قد لاحظت أنها كلما نسجت قطعة من القماش ،ثم انصرفت للنوم قبل أن تكملها ، تأتي في اليوم التالي لنجدها مكتملة في أبهي صورة . في بداية الأمر ظنت أن بناتها ربما قد أكملوا العمل ، لكنها هذا كان غير الحقيقة. تكرر الأمر كثيرا .، ومازاد من غرابة الأمر ، أن نوع المنسوجات التي كانت تجدها ، ذات نوعية ممتازة وليست على شاكلة ما اعتادت أن تنسجه.
ازداد الشكر لله بعد كل صلاه ، وُرفُعت الأيادي عالية بالدعاء. ظل السر بينهما لا يعرفه أحد. بدأت أمينة تتكاسل ، وكانت لاتنجز من غزل القطعة إلا القليل ، لكنها في الصباح ، تجد قطعة النسيج مكتملة وفي أبهي صورة. صار استهلاك الكتان أقل فنقصت همة عم عبده ، وأصبح يزرع منه القليل ، ثم توقف عن زراعته ، حتي أصاب قراريطه البوار ، فقل إنتاجها وتدهورت جودة انتاجها القليل.
في تلك الليلة ،قام عم عبده ليتوضأ ، ويعد نفسه لصلاة الفجر. لابد أن يعطي لله حقه . لاحظ الرجل وقع أقدام في غرفة النوم . اقترب من الغرفة فلاحظ أن بابها مواربا . أقترب في الظلام بحذر فاذا برجل يفر هاربا من الغرفة . تقابل وجهيهما للحظات. استطاع في ضوء القمر الخافت ان يتبين ملامحه بصعوبة ، لكنه استطاع التعرف عليه . انه هو الحاج يوسف. انه نفس الرجل الذي يشتري منه المنسوجات. أدرك عم عبده بفطنته أنه هو نفس الرجل الذي يضع له منسوجات لاتصنعها أمينة ويأخذ ما كانت أمينة تنوي استكماله.
نظر عم عبده إلى قراريطة الرابضة في الظلام ونزلت دمعه على خده.

اظهر المزيد

مجلة مملكتي

مجلتنا هي نقطة شروع جديدة ومميزة لبناء أمرأة واسرة ومجتمع لائق ومتحضر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق