شعر وأدب

الفاتورة

كتب / دكتور مسعد السيسي

ذهب الدكتور صابر الي صديقه الدكتور مرزوق ، ليقترض منه بعض المال . كان في أمس الحاجة لبعض المال، ليعينه علي أزمته الطارئه. كان لابد أن يظهر أمام عريس ابنته ، بشكل لائق ، أو مقبول ، وكم كان من الصعب أن يعلن عن ضيق ذات اليد ، أو أنه لن يكون قادرا علي الوقاء ببعض متطلبات جهاز العروس. لعنة الله علي الحاجة . كيف لم يحسب حسابا لهذ اليوم. لقد كان أهون عليه أن يختصر طعامه، وملبسه الي النصف من أن يوضع في هذا الوضع المؤلم.
كان صابر يعلم علم اليقين أن صديقه يمتلك الكثير من المال ، وأن أولاده مازالوا في العقد الثاني من العمر لزواجه المتأخر. لقد أخّر مرزوق زواجه ، بسبب انشغاله الدائم في عيادته ، فكان يسهر حتي ساعات الفجر ، لينتهي من الكشف علي كل السيدات ، بل وربما ذهب في الصباح الباكر، دون نوم، لتوليد مريضه أو اجراء قيصرية.
رغم اعتذار مرزوق بلباقه عن عدم زجود سيوله لديه ، وأن نقوده كلها ودائع في البنك ، الا أن صابر لم يظهر له أي ضيق ، أو تبرم . لكن صابر تعجب بعد ذلك ، كيف أن الله قد منحه رزقا محسوبا ، استطاع به بالكاد أن يلبي متطلبات زواج ابنته البكرية. كثير ماكان يجلس ويبتسم ويقول في نفسه ويردد مايقوله العوام ان الله يرزق العبد الذي ينوي الخير.
تمر السنون ، ويعلم صابر أن صديقه قد أصيب بمرض مفاجئ . استطاع بعد جهد، أن يعلم ان الدكتور مرزوق في طريقه للسفر الي الخارج لاجراء جراحه كبري . يدعو صابر له بالشفاء والعوده سالما . هو يعلم أن تلك الجراحه سوف تكلفه الكثير والكثير من المال ، لكنه يعلم أيضا أن الله قد رزقه رزقا كبيرا. ، وأن الله حتما سوف يشفيه من مرضه ، ليعود سالما لأولاده.
بعد سنوات كثيرة يدق باب صابر فيفتح الباب ليجد شابا عشرينيا، مترب الوجه ، زائغ النظرات ، عيناه غائرتان ، يبتسم ابتسامة منكسره.
– ازيك ياعمو
– اهلا يابني ، اتفضل ، انت مين؟
– أنا خالد مرزوق
ربت صابر علي كتف الشاب ، الذي لم يره من سنين ، ودعاه للدخول . أحضر له عصيرا فشربه في ثوان ، ثم عرض عليه بعض الطعام فلم يرفض .
يستطرد الشاب وهو يلتهم أحد الساندويتشات الموضوعة أمامه بنهم .ليشرح للدكتور صابر أن والده منذ سفره ، وانفاقه كل مايملك ، علي عملية زرع الكبد الفاشلة ، وماستتبعها من غيبوبة طويلة ، ثم وفاته ، قد أصابهم الافلاس التام . ظل خالد يشرح له قدر المعاناه وشظف العيش ، لكن الدكتور صابر ينظر اليه بأسي ، وقلبه يعتصر حزنا ،ويبادره قائلا
– أقدر أعمل لك ايه يابني؟
– ممكن تدفع لنا دول .؟ …يقول له خالد وهو يناوله ثلاثة قصاصات ورقية لفواتير كهرباء فات ميعاد دفعهم ، وأصبحوا مهددين بفصل الكهرباء.

اظهر المزيد

مجلة مملكتي

مجلتنا هي نقطة شروع جديدة ومميزة لبناء أمرأة واسرة ومجتمع لائق ومتحضر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق