شعر وأدب

العزاء

كتب / دكتور مسعد السيسي

انصرف الدكتور راضي من عيادته مبكرا ، اغرورقت عيناه بالدموع . قال له حسن الممرض وهو يري دموعه ، أذكر ربك يادكتور . لحسن حظه كانت العيادة شبه خاوية ، واليوم يجب ان يتوجه الى دار المناسبات ، ليكون في أول المعزين في وفاة صديقه ، الجراح الشهير ، الذي وافته المنية صباح اليوم ، بعد أن أحس بألم شديد في صدره ، وعرق غزير ، بينما كان يجري جراحة استئصال مرارة لأحد المرضى. تم نقله فورا إلى العناية المركزة بنفس المستشفى ، ولكن نفذ قضاء الله ، وظل جسده مسجي قبل ان تحضر زوجته ، وابنه بعد عدة ساعات. قال في نفسه وهو يمسح دموعه ، هل يمكن أن تكون النهاية بهذه السرعة؟ كان رحمه الله ، زائد النشاط ، يعمل ليل نهار ، رغم بدانته وشراهته للتدخين ، دنيا ملهاش أمان.
وصل إلى دار المناسبات ، السيارات تسد الشارع ، وزوجته كانت قد سبقته إلى المكان المخصص للسيدات ، الحضور كثيرون ، والسيدات في كامل زينتهن والرجال متألقون ، جلّ الحاضرين ، يرتدون البدلات السوداء ، والبعض يرتدي نظارات غامقة ، وأحذية لامعة ، وكرافتات منتقاة بعناية. الكثيرون مهرة في خداع الناس ، بمظهرهم المزيف ، يقابلون بعضهم بالأحضان ، والقبلات ، والسلام الحار ، والابتسامات العريضة . المياه المعدنية ، متراصة على المناضد ، والشاي ، والقهوة يُوزّعان بانتظام. كظم الدكتور راضي غيظه.
كان المقرئ قد بدأ نشاطه ، بصوت وقور ، مالبث أن زادت همته ، وصاحب علو صوته ، صدى متكرر كالتردد ، يجعل ما يتلوه مستحيل الفهم . اضطر الحاضرون إلى السكوت ، ولم يكن السكوت انصاتا ، كانو كلما توقف المقرئ بين الآيات ، مال أحدهم على أُذن الآخر ، ببعض الكلمات فيرد عليه بضحكة مكتومة ، أو يداري ضحكته بكفه . كان البعض ينتفض من مكانه ، كلما رأي أحد الحضور الجدد ، من معارفه ، يدخل إلى الصالة الكبيرة ، يتبادلان العناق ، والسلامات ، والضحك ، أو ياخذه الي ركن قصي ، بعيدا عن مكبر الصوت ، ليبدأ معه الحديث. ظل الدكتور راضي ينظر إليهم نظرة استياء
.انتهى القارئ من قراءة الربع الأول ، فهرول الكثيرون ، وأسرعوا للخروج ، وتكدسها على الباب . كان كل ماحدث يتكرر مع كل قراءة.
في نهاية العزاء ، استقل الدكتور راضي سيارته ، ومعه زوجته. قص عليها ماحدث . أخبرته ان الحال من بعضه عند السيدات ، بل قصّت عليه ما هو أفدح . قال الدكتور راضي لزوجته بلهجة تمتلئ بالجدية ، لما أموت ، مش عايز عزا ، العزاء ساعة الدفن بس….

اظهر المزيد

مجلة مملكتي

مجلتنا هي نقطة شروع جديدة ومميزة لبناء أمرأة واسرة ومجتمع لائق ومتحضر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق