رياضه عربية وعالمية

الصوت البعيد

بقلم/راضي رياض المهدي


هو لا يريد السعادة الا بهذا المعنى ..معنى ارادة ذاته..معنى روحه وكيانه..فهو دائما تائه..
تائه بين نفسه وبين مجتمعه..بين مفهوم السعادة لديه .. وبين نظرة الجميع لمعنى السعادة.
هو لا يجد الا معنى واحد لهذه السعادة التي يبحث عنها في كل افكاره..
روحه تريد معنى اخر للسعادة ،اعظم من كل ما صبغ عليه عقله.. وفي يديه الجريدة التي يرى فيها كل يوم ما يبحث عنه عقله،وليس ما تبحث عنه روحه.
الجريدة في يديه..سيارة..دولار ..دينار..ذهب..قتل الالاف من اجل اهداف شخصية..اغتيال..غرور..عربدة..نفاق..سياسة..امراض مجهولة الاسباب، فالطاقات موجهة لتطوير قدرات التدمير وهناك في مكان ملئ بالابرياء تفجير ..تدمير..سرقة ،وهناك طائرة يهديها رجل لامراة ..
يخرج من بيته الى الشارع ..يذهب الى المقهى التي امام بيتها لعله يراها تفتح ستارة الشباك فتقع عيناها عليه او تقع عيناه على عيناها..يشعر بضيق لانها لم تظهر اليه لا في الشرفة ولا بين ستائر الشباك..
يمضي في الشوارع مشيا على الاقدام لا يرى الا عيون تتمزق امام دكاكين الملابس وهناك من يتحثون ويتجادلون حول الاسعار والجنيه والدولار..كم..كم..كم؟ وفي معظم الاماكن يتحدثون عن النساء وذكريات ..خاصة عندما يجلس مع اصدقاءه في اي مكان..
في كل يوم تعاوده روحه وتغوص في عقله ..ترفض كالعاصفة كل ما في عقله وكل ما في الوجود حوله من صدأ..قشور ..روحه وكيانه يرفض وسعادته ايضا ترفض باصرار كل هذا.
ارادة ذاته انسان به انسانيه تتحدث دائما..تريد ان تتحقق ومنها ستكون هناك وجودية لسعادته تريد ان تتحقق في كيانه.
يشعر بصراع دائم ..يشعر كلما جاءه صديقه الخفي وصوته البعيد ..
يشعر ان هذا الصخر الاسود الذي يضغط على على صدره لا بد له من حطام..وهذا الصوت البعيد لن يتركه الى ان يحدث هذا الحطام .
لكن الصراع دائم بين الروح وبين العقل هو اقرب للجنون بل للموت،بل لتمزق كل ما هو في الواقع من قيود وقوانين وتقاليد بالية.
هي في كل ليلة كانت تخرج من بيتها لتشتري شئ ولتشعر نفسها بأنها رائعة الجمال كما يعبر عن ذلك كل من يراها في الشارع وهي تمضي ..كان الجميع يعبر بنظراته وليس بأي كلمة لأنها كانت تحتفظ بشخصية قوية وثبات وهدوء واحترام ،وهذا ابضا كان يدفع الجميع كل احد للتقرب منها ولو بكلمة واحدة.
هو في صراع دائم ولكن الروح لها سيطرة أقوى خاصة حينما نصغى اليها بعيدا ..يحدق في من حوله ..يقترب من الفشل وكلما رفض كلما اعترض على المجتمع ..مجتمع هذا العصر الذي يرفض ما تريده الروح ويرفض ما هذا المكان العيد المملوء بالورود والموسيقى والنور وملائكته التي لا تنام التي تسمى ملائكة العواطف والسعادة والحب..والحقيقة .
الآن هو يرى أن الحقيقة اصبحت صدأ وقشور واصبحت القشور هي الحقيقة.. لا يميز بينهم الا الحكماء ..وأين هم؟
اندثر (حامد) وهو على قيد الحياة ..اندثر في رأي الواقع وهو الرأي المعمول به الآن و امتلأت حياته وافعاله وكلماته لالتمرد على كل شئ.
عقله يصرخ في جسده ..ترك عمله اة اصبح لا يملك شئ..ترك حجرته الخاوية ليلا ..مضى في الليل يطويه تحت اقدام الظلام ..الظلام الذي يبدده شعاع هزيل يبث الضوء الخافت العنيد في صورة هذا الضوء العنيد الذي يمكننا من رؤية العالم ونحن نغلق الاجفان.
وأثناء ذهابه الى القهوة التي امام بيتها وقعت عليه وردة صغيرة فنظر الى اعلى فلمحها وهي تدخل خلف ستار شرفتها سريعا ..فامتلأ كل الوجود بطعم جديد للحياة..ولم يستطع تفسير ذلك الاحساس الرائع الذي شعر به في هذه اللحظة..
وبعد لحظات وجدها في الشارع ..لم تكن المرة الاولى فكثيرا ما كان يمضي خلفها ولكن بمسافة كبيرة حتى لا يلحظ أحد..ولا يدري ما الذي يدفعه بقوة الى التوحد مع الهالة والروح التي تملأ بها كل الاماكن عندما تعبر الشارع.
كان هو يمضي بعيدا عنها لكن كان خلفها وعيناه تحيطان بها بكل مكان وقلبه يرتجف وذراعيه وأقدامه كأنهم ليسوا موجودين ..وكل شئ في الوجود لا مكان له الآن..كل شئ غير موجود الا ذلك السحر الذي تتركه خطوتها الرقيقة الممتلئة بالحياة.
ذهب الى صديقه الذي يقدره ويعتز به لكنه ايضا يرفضه لا كصديق ..لا كإنسان ..لا كحقيقة ،لكن يرفض مفهوم الواقع لديه.
الشاي في ايديهم و(حامد ) وجهه ممزق بخطوط اليأس أو العناد وهو لا يدري ..يتحدث اليه صديقه ..لم يسمع كلمة من حديثة ..صوت صديقه كالأبواق التي تقول ولا تشعر كالطبل والموسيقى التي تدعي الصراخ لكنها لا تشعر بشئ ..لكن كلمة واحدة قالها صديقه فاستوقفه (حامد) وهو يقترب منه.
-ماذا تقول؟
-نعم هناك طبيب وجراح عالمي اعلن في مجلس طبي ان لديه اكتشاف علمي جديد يمكن الاطباء من اجراء جراحة متقدمه لعلاج كثييرا من مشكلات المخ ويمكن ايضا من زراعة مخ جديد.
-وماذا سنستفيد من هذا الاكتشاف..
-يقول الطبيب انه يمكن الاطباء والعالم من الاحتفاظ بالعقول النادرة كالعباقرة والعلماء والزعماء..واستطرد صديقه وهو يضحك..انه في مصر الآن ويريد أن يقوم بإجراء ذلك مجانا لنشر اكتشافه في العالم كله ..واستمر صديقه في الضحك ..اظن اني قد اعطيتك الحل الآن لما تعاني منه.
تراجع (حامد في جلسته ..ووضع يده على رأسه،يخشى الفكرة ..لكنه يوافق في قرار نفسه ..يجد أن بين هذه الفكرة وبين ما يمر به هو نوع من التوافق ..وقام بعد ذلك بالبحث عن المكان الذي اعلن هذا الاعلان الغريب ..يكتب لهم إقرارا بأنه المسئول عن نتيجة هذه العملية ..فهو الذي قرر منذ عدة أيام ان الموت فكرة جيدة.
قبل اجراء العملية بأيام ،ذهب ليعاود تواجده بجوار بيتها لعله يراها ..كانت حين تمضي امامه في الشارع كل شيء غير موجود الا هي .
وفجأة حين لمحها بالشرفة تفتح الستار..اشار اليها وكأنه يأخذ قرار الحرب على ذاته الخجولة المطمئنة الهادئة..اشار اليها بيده..رقم المحمول؟؟!!!
ففرحت ونظرت بعيناها في كل الاماكن ..واستدارت يمينا ويسارا في حيرة بالغة ..وأشارت له بأصابعها ..ثم دخلت من الشرفة ..ثم عادت وألقت بورقة صغيرة بها ما يريد.
كان ذلك اواخر الليل ولا يوجد احد في الشارع تقريبا…
ودار حديث صغير في المحمول بينهما ثم بعد يومين تقابلا في شارع الهرم ..فأخذها الى احد الاماكن الجميلة على النيل العظيم.
وتحدثا كثيرا ..كان كل شيء حولهم يدعو الى الحب والى فيض من المشاعر التي لن تنتهي ..
وفي اليوم التالي ..بل كل يوم يشعر أن هناك قوى عظمى تدفعه الى تواجده في المكان القريب منها ومن بيتها وستائرها وشرفتها…
لكن ما الذي يدفعه الى اجراء هذه العملية كان يقول في نفسه (عند الموت ..لا زيف هناك ولا نفاق ولا ظلم..اما هناك مذنب يعاقب او هناك صاحب خير يثاب)..كانت فكرة تبديل رأسه أو عقله فكرة قريبة من الانتحار لكن بها تبرير امام نفسه لفكرة الانتحار..
فهو شخص قوي لا يعترف بالانتحار كقيمة أو كحل لما يعانيه،لذلك استطاع ان يتهرب من نفسه باللجوء الى هذا القرار ،وهو تبديل عقله مع وآلامه بالإقدام على هذا الأمر.
ونجحت هذه العملية تماما معه وأصبح له عقل أخر غير عقله وفكر أخر غير فكره وشخص أخر مختلف عنه في كل شئ ..
المخ الجديد هو لرجل غربي عبقري به كل أصول ومعاني ومقاصد النظرة الغربية الحديثة..بها من المادية كل شئ ومن المعاني كل كل جحود ..أي أن بها كل ما كان يرفضه (حامد) قبل اجراء العملية.
ويخرج (حامد) مرة أخرى برأسه الجديد ليخوض الحياه بمنظاره الجديد..أفكاره هي أفكار العقل الجديد ..ميوله أصبحت ميول مخلصة وخالصة لكل الواقع..لكل هذا العصر الذي كان يرفضه من قبل..
وأصبح (حامد) يقبل المجتمع حوله ويقبل الواقع..يقبل المجتمع بزيفه ..بجحوده..بقشوره..بنفاقه ..وسرابه ..وخداعه ..بماديته وبدماره ..أصبح كل شئ جديد.
لكن عادت المعركة تدور بين هذا الرأس الجديد والعقل الجديد والفكر الجديد..وبين هذا الشئ الغامض.
الشئ الذي لا يستطيع أحد إدراكه ..أو تحديده اوتجسيده..فرغم أنه يحمل عقل جديد..الا انه تعاوده ميوله القديمة..وأرائه ومواقفه ..ورفضه يعاوده ..تمرده الذي يأتيه من قوة أخرى..من داخله ..قوة أعظم من كل شئ ..قوة تحمل معنى ارادة الذات ..قوة تطغى على عقله وفكرة..
ويعود ثانيا الحجر الاسود الصلد ليرقد على صدره ويمزقه..ويرقد في عقله فيشعله ..تاهت اقدامه ثانيا ..وأفكاره ..ويعاوده رفض الواقع ..يرفض كل شئ زائف ..ويسمع صدى بعيد..وضوء بعيد قائلا ( ليست هذه السعادة التي كنت تنشدها ..ليس هذا ما تريده ارادتك).
ذهب للمركز الطبي أو مركز البحث الطبي يشكو من هذا الصراع ..من هذا التمزق الذي بداخله ..انه يتمزق..يذوب ..ينتهي ..كل شئ فيه مازال يرفض الواقع ومفاهيمه .والمادة..وأتباعها ،والحريق في رأسه حتى رأسه الجديد ..هو يريد أن يتخلص من كيانه ومن هذا النداء العلوي ..وكل شئ في نفسه يتكلم ..وهذا الشئ العلوي يرى الاعظم من هذا الواقع ..ويتحدى أيضا هذا العقل والرأس الجديدان.
ويكون هذا النداء البعيد صدام لهذا العقل وحرقأ لأمانيه وموتا لمستقبله..
يشكو (حامد) لكل الأطباء العباقره ..ويقومون بإعادة دراسة المخ الجديد ..وصاحبه وحياته أيضا..وكل المراكز العصبية والاجزاء المخية سليمة ..ويدرسون صاحب المخ الجديد وحياته وشخصيته..يجدون أنه لم يكن يعاني من هذه الدرجه العالية من الصراع قبل العملية..
عجز جميع الأطباء العباقرة عن ادراك هذا المعنى..
وهناك على الطريق ..وتحت أقدام الظلام يمضي (حامد) حاملا على منكبيه الرأس الجديد ..والعقل الجديد يطويه الظلام..وضوء بعيد..ضوء خافت لكنه ساحر وعميق وعنيد ..ويجد (حامد) نفسه تحت أعمدة النور التي تشير الى شرفتها وتهتز الستائر ..وينظر حامد الى الشرفة وهو لا يدري ما هذا..ما هذا الذي اتى به الى هنا..ما هذه القوة التي اتت بي الى هنا لأشعر بذلك الشعور الذي يستحيل تفسيره!
وما هذا المارد الثائر داخل وجدانه ويجعله يرفض ويرفض..حتى عقله الجديد.

اظهر المزيد

مجلة مملكتي

مجلتنا هي نقطة شروع جديدة ومميزة لبناء أمرأة واسرة ومجتمع لائق ومتحضر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق