ثقافة وفن

الشمس نامت وصحيت


قصة قصيرة بقلم : راضي رياض المهدي

نضيع .. نتوه .. نلتقط الامل من بين حبات التراب
نبحث عن الرجاء فى عمق الظلام والحطام..
بإراده تجعل من الليل نهار ..
نبتلع الدمع وننساه ..
فقد أصبحنا نفكر كالحجر .. لا يشعر
فإن تكلم فهو لا ينطق …
طبله وزماره وانثى بعقل سجين فى جسد ينبح فى اهتزاز على أنغام المال ورجل يتناول الخمر مع امرأه هناك . وهم ينظرون دون رؤيه أى شئ .. وكل سهران او سكران يرتدى ملابس بآلاف الجنيهات .. ونساء ساهرات وحدهم فى هذا النادى الليلى او الكباريه .
وكان علاء استاذ الفلسفه ومعه احد زملاءه استاذ اللغه العربيه صاحب ( النادى الليلى ) كان صديقا لعلاء منذ ان كانا فى الثانوي واتى اليهما مرحبا وكان هذا مجد كبير فى صاله ( الكباريه ) امام من ينظر اليهم .
وظهرت امرأه ترتدى السواد وغطاء رأس اسود ومعها طفل صغير وتحمل فى يدها شنطه ورحب بها كل العاملون فى الصاله وأصطحبوها الى اقرب طاوله للعرض .
ونظر علاء الى استاذ اللغه العربيه قائلا :
تراهن ان هذه الامرأه بعد ساعتين كده هتكون سكرانه هترقص .. وهتشوف .
بعد ان انتهت اغنيه المطرب الشعبى وظهرت راقصه اخرى ومرت الساعتين .
وانتشر رائحه العطور والكحول فى الصاله والدخان والكل في نشاط غامض ذلك النشاط الذى ينذر باقتراب الموت..
وفجاه وقفت المرأه ذات الملابس السوداء وخلعت غطاء الرأس وخلعت ايضا العباءه السوداء فظهر قميصها الذى ينتهى فوق ركبتبها الجميلتان .. وصعدت الى( البست) او مكان العرض اعطت النادل كثير من المال وقذفت الكثير من المال على جسد الراقصه وبدأت هى بالرقص فى شئ كالجنون الذى يتحدى جميع الابواب تحولت الى حصان او فرس جامح يعبر بالرقص انه يريد ان يذهب الى الفراغ أو الى ما بعد العالم أو اللاوجود .
ثم عادت الى الطاوله الى كانت تجلس عليها وجلست بجوار ابنها الصغير الذى هو فى حاله نوم على الكرسى ومغطى بالغطاء الذى كانت ترتديه على رأسها ..
بعد حوالى نصف ساعه قامت لتعطى النادل الحساب واصطحبت شنطتها الممتلئه بالمال وخرجت الى الشارع ,,
المؤلم فى هذا أن هذه المرأة نسيت وتركت ابنها النائم على احد كراسى المحل ..
وإذا بالنادل يقول وهو يعبر امامنا الست دى السكر والرقص نسيت ابنها فرد عليه أستاذ اللغه العربيه من السكر والرقص .. والفلوس .
ثم ياتى الصباح وينتهى الليل ويعود الكل الى مخدعه وكأن الجميع كانوا فى حلم مرهق جدا للجميع ..
وعلى الطريق المؤدى الى بيته .. كان يعود الى بيته فى كل صباح من هذا المكان وهو يشرد بذهنه فى كل ما يحدث فعلا والتناقض بين الفلسفه والفكر والعمل فى الليل فى كباريه .. مرددا فى نفسه لن اعمل فى كباريه ابدا ابدا ..
كان علاء يدرس الفلسفه للطلاب وهو لا يدرى ما الذى حدث قائلا فى نفسه :
هل هذه هى الوجودية او البراجماتية وكل الافكار العالميه هل ما يحدث فى العالم هو مادعى اليه دانتى و موننسيكيو و نيتشة والاف الاسماء والنظريات التى اشعلت نفسها فكرا من اجل الارتفاع بالانسان وتحقيق سعادته وتغير العالم .. ثم تكون نهايه قرون من الفكر ان تتحطم هذه الازمنه والاشخاص العظماء والفكر على زجاجه من الخمر وامرأة ويضيع كل شئ .. هل يمكن ان يتحطم هرم عندما يصدمه حجر صغير ..
الزوجه الان نائمه بين أطفالها او انها كسائر الليالى ساهره تنتظر لتكرار طلبها من زوجها علاء بعدم العمل ليلا فى هذه الاماكن ,, ولكنه كان قد قرر عدم العوده ابدا لهذا العمل خاصة بعد ان رأى الام تنسى ابنها الصغير على احد الكراسى وتخرج من الكباريه ثم عوده النادل ليأخذ الطفل لها امام المحل ..
”حاسب على نفسك يا حبيبى”
قالها سائق سياره بسخرية شديده كأنه يعلن شروده اللاارادى وفجاه يجد امامه على حافه الشارع شنطه ضخمه وجميله بجوار مؤخرة سياره على الارض ولا يوجد احد بالشارع او فى كل الاماكن . فتذكر علاء قصه الشاب الذى وجد شنطه بها مليون دولار ..
ويجد عقله يشرد بعيدا بعيد ,, يظن ان له نفس الحظ ويظن انه عاد بضع خطوات ليلتقطها من على الارض ويعود بها الى بيته وقلبه ينبض فيطرق باب شقته وبعد لحظات تفتح زوجته الباب بوجه يغالبه النوم والسهر قائله من بين الضلوع صباح الخير فيدخل وتلحظ زوجته ما فى يده فتجد انها شنطه شكلها ثمين ويدخل هو غرفه اخرى غير التى بها الأولاد ثم يضع الشنطة على الأرض ويجلس محاولا فتحها فتغلق زوجته الباب وكانهم على ميعاد فتقف صامته متعجبه وتفتح الشنطة وكأنها كنز لا ينتهى من الدولارات….
فتقول له وهى متقطعه النبرات :
ما هذا
وجدتها فى الشارع .. ويرتفع صوته والله العظيم وجدتها فى الشارع وليس فى الشارع أى انسان
نبلغ الشرطه .. ولا ايه رائيك ولا هنعمل ايه ,,
لا.. لا .. كفى .. واستطرد .. لقد تكسرت فى يدى كل الاسلحه وانا احاول الحصول على لقمه العيش لنا و لاولادنا وهكذا كان رد الله على دعائى له ليل نهار بأن احصل على الستر وان لا احتاج لاحد .. وان اتمكن من ترك التدريس والعمل الليلى واحقق موهبتى ورغبتى بان اجد وظيفه باحد الجرائد او المجلات لاكتب فى الصحافه .. وهو الذى يشغل راسى وطموحى ليل نهار .. وان احقق كل احلامى واحلامك وان يكون لنا شقه كبيره بها حجره نوم وسفره وانتريه شاشه كبيره وتكيفات وهذا لا يتحقق من خلال ما انا فيه الان وعمل ليل ونهار خاصه العمل الليلى ،ان كل ليله كانت تمر بي كانها رصاصه تنطلق فى مكان اخر فى جسدى ونفسى وعقلى ..

وتبدا رحله الاموال .. تغيرت الشقه واصبح بها كل شئ وتزينت الزوجه بالذهب فى يديها واصابعها لم يعد شئ صعب او بعيد .. واتصالات هنا وهناك مخرجين سينما وأعلانات عامه عاليه جدا ومخرجين فى التليفزيون يتصلون به كل يوم ليلتقطوا ما يكتبه فهو بحق كاتب واديب لكن ينقصه الفرصه .. والمال صنع له طريق وقصص رائعه ..ما يكتبه فى الجرائد رائع وادب بحق المال الذى افسح له الطريق حتى الاغانى لاشهر المطربين كانت من تاليفه ..
كان يردد بينه وبين نفسه ( انه المال الذى يكسر الابواب )
أولاده انتقلوا من المدارس الى مدارس افضل , صارت نساء المجتمعات الراقيه تسال عن زوجته لانها زوجته.. ومرت السنين وتحققت جميع الامال
لم يترك التدريس للطلاب لانها مهنه عاديه .. بل برغم انه يعلم ان التدريس اشرف مهنه على الاطلاق ..
لكنه كان يدري ان هناك فرق بين مدرسين الموسيقى وبين من بيدعها .. وان تفكر وان تبدع وان تعطى شئ جديد للعلم او للادب او للفلسفه فهو شيء اعظم .
وهو دائما كان يبحث عن الأعظم فى كل شئ , كان حبه و ايمانه بالله تعالى ناتج عن ايمان بان الله هو الاعظم ..
وكان حبه للادب والابداع والفلسفه كان لايمانه بان ذلك هو اعظم الاعمال ..
ومرت السنين وكبر اولاده ابنه اصبح طبيب ناجح وابنته إحداهن طبيبه مشهوره و الاخرى بالصحافه ونجح الرجل وظل كل يوم يستقيظ مبكرا ليكتب وينظر لاولاده بعين الرضا وقلب ملئ بالسعاده ويدعوا لهم ثم يدخل حجرته فيعود بكثير من النقود قائلا
لازم تفضلوا تاخدوا منى فلوس دايما مهما كنتم لانها متعتي الخاصه جدا …

وتعجبه الفكره وتملا عقله و ارداته بان يذبح الخوف والتوتر من نفسه والتردد من عقله فيلف ويدور يمينا ويسارا ويعود بضع خطوات ليلتقط الشنطه لكن يسبقه رجل ويحمل الشنطه بكلتا يديه ويضيعها فى شنطه سيارته ثم يغلق باب السياره بعد ان القى بنفسه داخلها ويدخل سريعا فيقف علاء مبتسما كعادته بابتسامه مليئة بالاسى والامل والاسف معا وتمد يده الى جيب سترته ويتلمس فيجد ثلاث جنيهات..

فيضحك ويطول به الضحك وهو يعبر الشارع وينطلق صوت من داخل نفسه
هيا نسرع لقد طلعت الشمس

اظهر المزيد

مجلة مملكتي

مجلتنا هي نقطة شروع جديدة ومميزة لبناء أمرأة واسرة ومجتمع لائق ومتحضر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق