ثقافة وفن

الرحمة منهج حياتنا


بقلم الدكتور/ أحمد مقلد
دكتوراة في فلسفة التربية تخصص التربية الفنية

للرحمة شعور جميل ينبع من قلب ينبض بالرفق واللين والود والحب للجميع ومن أعجب قصص الرحمة ما فعله نبي الله و رسوله (صلى الله عليه وسلم) حين سمع بكاء وحنين جذع الشجرة لحزنه على فراقه، حيث أن امرأة من الأنصار جعلت غلاماً يعمل لديها نجاراً ليصنع منبراً لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، فلمَّا كان يوم الجمعة جلس النبي (صلى الله عليه وسلم) على المنبر الذي صُنع، فسمع بكاء وحنين جذع الشجرة، فنزل النبي (صلى الله عليه وسلم) فضمه إليه فكان يئنُّ أنينَ الصبيِّ فعن ابْنِ عَبَّاسٍ، وأَنَسٍ: ” أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَخْطُبُ إِلَى جِذْعٍ، فَلَمَّا اتَّخَذَ الْمِنْبَرَ، ذَهَبَ إِلَى الْمِنْبَرِ، فَحَنَّ الْجِذْعُ، فَأَتَاهُ، فَاحْتَضَنَهُ، فَسَكَنَ؛ فَقَالَ: لَوْ لَمْ أَحْتَضِنْهُ لَحَنَّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ” وصححه الألباني في “صحيح ابن ماجة”.
ومن المواقف التي تعبر عن رحمة ورفق الرسول (صلى الله عليه وسلم) ما حدث حين جاء أعرابي فرأى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يُقبل الحسن بن علي (رضي الله عنهما) فتعجب الأعرابي وقال:” تقبلون صبيانكم؟ فما نقبلهم”، فرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم قائلا: ” أو أملك أن نزع الله من قلبك الرحمة؟”.
فمن يعرف معنى الرحمة لابد أن يصيغها لسلوك عملي لتصير في حياتنا روابط إنسانية راقية وخلق رحيم تعم فيه الألفة والرقة والوداعة مما يجنبنا السوء ويبعدنا عن التعاملات الغير سوية بين البشر. فلنجعل الرحمة شعارنا ومنهاج حياتنا فنحن بشر خلق بمواصفات جسدية تعمل بطاقة الإحساس ولننظر للمظاهر التالية كأمثلة عملية.
• الكلمة قد تعطيك دفعة أمل أو تقتلك (يروى أن أحد الملوك رأى رؤية في منامه بأن (كل أسنانه سقطت) فأتى بأحد مفسري الأحلام وقص عليه رؤياه فقال المفسر: “أمتأكد انت؟”، فقال الملك: “نعم”؛ فقال له: “لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، تفسير رؤياك أن كل أهلك يموتون أمامك”. فتغير وجه الملك وسجن الرجل على الفور، وجيء له بمفسر آخر، وقص رؤياه عليه فقال له المفسر: “أمتأكد أيها الملك أنك رأيت هذا ؟، مبارك لك ايها الملك”. فقال الملك مستغرباً: “لماذا؟”، فقال المفسر مسروراً: “تأويل رؤياك أنك ستكون أطول أهلك عمراً”. فسُرّ الملك وأهداه هدية. فالمعني واحد ولكن كيف نصيغ المعني.)
• النظرة قد تعطي الأمل وقد تظهر البغض والضيق والرفض للآخر (العين هي نافذة العقل، ومصدر المعرفة من خلال الصورة ونظرتنا لتحقيق النجاح تجعلنا نراجع أنفسنا لنعرف ما فعلنا ونصحح أخطائنا ونطور مهارتنا ونشحذ الهمة والنظرة للحياة بأمل وتفاؤل وسعادة لإستكمال المسيرة نحو تحقيق الهدف وتحقيق التواصل الإيجابي مع المحيطين والمتعاملين معنا).
• الشعور الداخلي هو وقود الإحساس (فعند ملامسة شيء ساخن نشعر بالألم وعند إصابة جلدنا بإصابة فإننا نبتعد عما يؤذيه خوفا من تفاقم الضرر ولا نحاول تكرار تلك التجربة حتى لا يتكرر معنا ذلك الإحساس بالألم فلا يجب أن نؤذي من حولنا بما نكره أن يعاملونا به).
• الظروف الصعبة تجعلنا نختار القرار المناسب في التوقيت المناسب (في تجربة علمية وضعوا ضفدع في مياه ساخنة جداً على النار فقفز الضفدع مباشرة وهرب من الإناء بكل براعه ثم أعيدت التجربة بأن وضع الضفدع في إناء به ماء بارد وتم اشعال النار من تحته بطريقه تدريجيه وببطء وبدأت تزيد الحرارة في كل دقيقة ولوحظ أنه عند ارتفاع سخونة المياه فإن الضفدع يعدل درجة حرارة جسمه لتناسب درجة حرارة المياه إلى أن وصلت المياه لدرجه الغليان والضفدع فيها لا يتحرك حتى مات المسكين. وبدراسة هذا السلوك اكتشف العلماء أنه مع كل ارتفاع لدرجة الحرارة كان يعدل الضفدع درجة حرارة جسمه ويتكيف معها، ورغم أن الإناء كان مفتوح لم يحاول القفز حتى في حالة غليان المياه، إلى أن مات. واستنتج العلماء أن الضفدع استخدم كل طاقته في معادلة درجة حرارته وتأقلمه على المناخ الذي حوله على الرغم من صعوبته، وتصاعد هذه الصعوبة مع شعور بعدم الارتياح، والكثير منا سيقول الماء المغلي هو الذي قتله لكن الحقيقة أن الذي قتله هو عدم قدرته على اتخاذ القرار الصحيح بالقفز خارج الإناء الموجود به الماء الساخن في التوقيت المناسب وإصراره على استمرار تأقلمه إلى أن فقد الطاقة اللازمة لإنقاذ حياته.)
• عندما نشعر باحتياجنا للملابس فإننا نختار ما يناسبنا ويعجبنا ويريح نظر المحيطين.
• عند شرائنا حذاء فإننا لا نستطيع السير فيه إلا إذا كان يناسب قياسنا.
لذا لابد لنا أن نتعاطف ونتراحم لنكون بشر مميز فالرحمة خُلق عظيم وقد أشتق أسمها من الرحمن وهو اسم من أسماء الله الحسنى، فمن كانت خُلقه في جميع تعاملاته هي الرحمة فقد فاز، ومن حُرم تلك الصفة فقد فقد أفضل ما أنعم الله به علينا من صفات، فالرسول (صلى الله عليه وسلم) كان أرحم الناس خلقاً، فقد كان يعطف علي الطفل والمرأة والضعيف، وحتى الحيوانات والجماد. ومن مواقف الرسول في الرفق واللين والعطف ما قاله سيدنا أنس (رضي الله) عنه قال:(خدمت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عشر سنين، فما قال لي أف قط، وما قال لشيء صنعتُه لم صنعتَه، ولا لشيء تركته لِم تركته، وكان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أحسن الناس خُلقاً).
ومن خلق الرسول (صلى الله عليه وسلم) في الرحمة أنَّ غُلامًا لأنسِ بْنِ مَالِكٍ (رضي الله عنه) اسمُه عُمَيْر، كَانَ لَهُ نُغْر – وَهُوَ الطَّائرِ الصَّغِير – يلْعَبُ بِه، فَماتَ النُّغْرُ، فَحَزِنَ عَلَيْهِ الصبيُّ، فَذَهبَ إليهِ نبيُّ الرَّحْمةِ (صلى الله عليه وسلم) يَزُورهُ لِيُواسِيَه وَيُمازِحَهُ، فَقَالَ لَه: “يَا أَبَا عُمَيْرٍ! مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ” [متفق عليه].
ومن كل ما سبق فإن هناك مشاعر سلبية تتداخل في تعاملاتنا فلا يجب أن نجعلها تؤثر فينا نحو تعاملنا مع الأخرين وهذه المشاعر السلبية إذا تغلبت علينا أفقدتنا أعز ما يميزنا عن غيرنا من المخلوقات وهو الإحساس بالعطف والرحمة لكونه يوجه العقل ليحب ويكره ويخاف ويشعر بالأمان ويشعر بالشبع والجوع ويدبر أسباب تحقيقه لتلك الرغبات والمشاعر وفق ما تقتضيه الحاجة ومن خلال منطق وتفكير محكم. وبهذا يكون منطقنا في الحياة للتعامل بين البشر هو أننا خلقنا لنتراحم (فمن لم يرحم لا يُرحم).

اظهر المزيد

مجلة مملكتي

مجلتنا هي نقطة شروع جديدة ومميزة لبناء أمرأة واسرة ومجتمع لائق ومتحضر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق