صحة طفلك

التنمر والتطبيع على العنف الحلم بأن يستشهد

كتبت سالي عبدالمنعم

 

 

لاشك الحركة الجماهيرية تستميل أولئك الذين يودون أن يتخلصوا من أنفسهم نهائيا ، فهي تستطيع أن تجذب أتباعا وتحتفظ بهم، لا لأنها تلبي الحاجة إلى تطوير الذات؛ ولكن لأنها تلبي الشوق إلى الخلاص من الذات…

في تاريخ التعذيب يتحدث بيرنهاردت عن ذعرنا من وسائل التعذيب التي كانت تستعمل في العصور القديمة ك السوط ذو التسعة اذيال والثور المُسخّن وبتر الاعضاء الجنسية وغيرها فيقول “إننا نرتعد من شناعة هذه العقوبات البالية. ونقول لأنفسنا إننا أكثر (تحضرًا) من أن نفعل ذلك مثلها، واننا حين نتعامل مع المجرمين إنما نفعل ذلك وقصدنا الاصلاح والردع. ونصر على ان الانتقام ليس غايتنا.

ولكن لو ان استفتاءً أجري بعد جريمة مروّعة، مثل اغتيال الرئيس كندي، فكم سيكون عدد الذين يفضلون واحداً او آخر من أساليب التعذيب التي وصفناها ليطبق على القاتل ”

وهذا المقطع رغم كوني قرأته قبل اكثر من سنة لكنني تذكرته قبل عدّة أيام، حين شاهدت في احد افلام الجزيرة الوثائقية صحفيًا يسأل الناس عن قاتل كندي بعد محاكمته، ماذا تودون ان تكون عقوبته؟

فيجيب بعضهم، نريد ان يصلب وآخر يقول نريد ان يحرق وآخر ان يسحل في الشارع حتى يتذرى جسده والخ..

 

اثناء ذلك كنت قد سمعت ان جريمة حصلت لطفل حيث اغتصبه احدهم وقتله بطريقة بشعة، ورغم كون القاتل معتل اجتماعيا ونفسيا، وواضح ذلك الى حد بعيد ولكن دهشت بتلك التعليقات التي تدعو الى القصاص منه فكانت على نحو مُرعِب، منها هذه الأقوال:-

 

“يجب ان يحرق في الشارع”

“يعدم في باب المدرسة”

“يجب ان يقتل تقريضا”

“يُبتر قضيبه ويصلب في الشارع”

“ابتُر قضيبه واضعه في فمه”

“يُقتَل رميّا بالحجارة -رجم-”

والكثير من هذا القبيل، اقسم ذُهلت ماذا يحصل، اين الإنسانية، هل يفترض ان نكون مُجرمين نحنُ أيضًا ولماذا العقوبة دائما تأتي انتقامية!

 

هل يمكن أن يستمتع الناس بمشاهدة رجلا مصلوب وقضيبه في فمه، لماذا الـ أس هو الانتقام دائما وليس العدالة!

انا حقًا اتأكد يومًا بعد يوم ان الاخلاق ليست فطرية ابدا، وان وحشًا كبيرًا في اعماقنا اُعطي لنا لنروضه -كما يقول كازنتزاكيس- وهذا الوحش كثيرا ما ينتصر علينا ولأقل أستفزاز، ولكن لماذا ينتصر علينا نحن أكثر مما ينتصر في دول مثل سويسرا التي تفكر باغلاق السجون؟! ولكي نجيب سنتحدث بالتفصيل قليلا:-

 

اولا: المجتمع

او المحيط كما يسميه علماء المدرسة السلوكية، فهو المحدد لشخصيتنا، -وهذا المحيط يختلف ويتنوع من مكان الى آخر- فمثلا وابسط صورة على التشجيع على العنف هو حينما نُطالب اطفالنا بضرب الكلب او اي حيوانٌ آخر، وان لم نطالبهم فسنسكت لو انهم ضربوا قطة حتى الموت، ففي النهاية لا يمكنها محاكمتنا.. ولو تمعّنا لوجدنا ان هذا العمل تطبيع واضح على العنف واستثارة للانسان البدائي او بعبارة ادق للوحش الكامن في اعماقنا، ومن الممكن ان يقتل الشعور الانساني اتجاه الانسان، عن طريق الحيوان، وكنت اشاهد برنامجا تحقيقيا مع بعض المجرمين الذبّاحين ايام 2006 وقد سألهم مقدم البرنامج كيف استطعتم القيام بذلك، فأجاب بعضهم: كنّا نتدرب على الحمير والبقر وغيرها، لهذا تجد ان تلك الدول حاولت القضاء على مثل هذه الحالة حتى ان في تلك الدول المتقدمة توجد شرطة لحماية الحيوان وبذلك يمكنها الحد من التنمر، وتطبيع المجتمع على السلم والانسانية..

 

ثانيا: الالعاب الالكترونية والاعمال الفنية والادبية

مثلا لعبة بوبج او بُبجي التي اشتهرت مؤخرا، وكثيرا منكم يعرف هذه اللعبة ويعرف مقدار العنف الذي تحتويه، والغريب ان هذه اللعبة يعتبرها اللاعبون ممتعة، ان القتل ممتع جدا لديهم، وهذا مؤسف فهم يتطبّعون على العنف بشكل لا ارادي، يقول بيرنهاردت: “اللذين لا يستطيعون، لسبب او لآخر أن يخلقوا الجحيم الذي يتوقون إليه يشبعون رغباتهم في العالم الخيالي؛ للكتب وأفلام السينما والتلفزيون” هم بطريقة او بأخرى يحاولوا اشباع رغباتهم المكبوتة، رغبة الانسان البدائي، ولكيلا نهمل الجزء الثاني ولكونه متشعب سنتحدث عنه في مقال مستقل حتى نحيط به، فله من الاهمية الكثير جدا واقصد الادبيات..

 

ثالثًا: الثقافة الدينية

حيث توجد المئات والالوف من الاحاديث الدينية والتفاسير والاقوال التي تدعو للعنف ضد الآخر، وعشرات الأحاديث التي تتوعد المجرمين ومثلها تتحدث عن عذاب القبر او الاخرة او البرزخ، كل هذه الاحاديث هي تطبيع على العنف، من حيث كون الانسان سينظر الى اي عقوبة على انها لا تليق بهذا المجرم فالرب مثلا في حديث البرزخ يعلق سيدة من “ثدييها” لانها خرجت دون اذن زوجها، فكيف لو انها كانت تمارس الجنس او باغية كما في الدين! انهم حتمًا ينوون تعذيبها بشكل ابشع، مع سابق الاصرار على انهم يقومون بعمل حسن.. ناهيك عن الطقوس التي تبرر لك ممارسة العنف حتى يصبح جزءً من ثقافة مجتمع وهذا ما سنركز عليه ايضا ونحيط به في مقال آخر..

 

طبعا هناك المزيد والكثير من الامور الاخرى التي تشجع على العنف كـالاغاني او الاناشيد وبعض الرياضات أو الطقوس الدينية، سنتناول ذلك بشكل مُستقل في وقت لاحق..

الوسوم
اظهر المزيد

مجلة مملكتي

مجلتنا هي نقطة شروع جديدة ومميزة لبناء أمرأة واسرة ومجتمع لائق ومتحضر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق