ثقافة وفن

إبن أجا.. المتيم.والحزين…إنسان من عالم رومانسي لا ندركه

كتب دكتور أسامه حمدي

“كوني كما تبغين لكن لن تكوني…!!! فلقد صنعتك من هواى ومن جنوني…ولقد برئت من الهوى ومن الجنون” ولكنها لا تأبه وتحب غيره وهو مازال متيمًا بها.. يعشق آلآمه وأحزانه ويبحر معهما في كل يوم ويعبر عنهما في عبارات تذيب الحجر!! يثور..ينفعل..يغضب..ويبعد وهو يلملم جروح كرامته..ليعود مرة ثانية ليبعثرها تحت أقدامها..!!! لم يكتب إبن نوسا البحر الشعر كما كتبه من سبقوه أو حتى كمن تلوه..بل لقد عاش الشعر نفسه وتنفسه فكتب بصدق مذهل كل ما يحس به في حبه الأفلاطوني..!! فمرة يهاجم قلبه ويتهمه أنه يتآمر عليه معها فيقول “لست قلبي وإنما خنجر أنت في الضلوع” و “لست قلبي وإنما أنت قلبها”…!! لقد أبكانا كامل الشناوي بقصة حبه الوحيدة والتى لعن بسببها وجودة في الحياة وتمنى لحياته أن تنتهي “ليت يا يوم مولدي كنت يومًا بلا غدِ”!! وحبيبته لا تأبه به فليس هو الشاب الوسيم الأنيق أو الدكتور الأديب الشهير!! فحين قرأ عليها قصيدتة وهو ينتحب والدموع تخنق كلماته “إني رأيتكما..إني سمعتكما..عيناك في عينيه..في شفتيه ..في كفيه..في قدميه… ويداك ضارعتان من لهفٍ عليه” فردت عليه ببرود بأن كلمات قصيدته جميله وتصلح للغناء…!!!! أغلق الهاتف وكتب “بعضي يمزق بعضي”…!!! فهو أضعف من أن يبتعد عنها رغم كل ما سببته له من آلام وجروح وكل ما يستطيعه هو إطلاق العنان لدموعه التي تغسل جحودها وصدها وتطهر قلبه من آثامه… “كيف يا قلب ترتضي طعنة الغدر في خنوع.. وتداري جحودها في رداء من الدموع”!!! كان الشناوي يضحك في مجالس الأصدقاء ويعود لمنزله وحيدًا حزينًا….لم يتزوج…وأوصى من حوله أن يذكروا ما يقوله ويدونوه فهو لن يكتبه ما عاش فهو لا يأبه بهذه الحياة وبمن فيها…!! لقد كان إبن المنصورة شاعرًا بدرجة هاوي!!! ومحبًا بدرجة مجنون…!!! وحيًا بدرجة ميت..!! كان لا يهمه ما يقوله الناس عن حبه حتى لو عرف كل العالم به..كان لا يؤرقه شفقة الأصدقاء على حاله ولا عَودُ المحبين لقلبه المجروح..!! فهو لا يكتب للكتابة أو الغناء ولكن يكتبه لينفُسُه بعيدًا حتى لا يدمره إحتقانًا…يكتب من أعماق أعماق ما بداخله وبصدق لم نعهده من شاعر من قبل. فكيف لأنسان أن يكتب حوارًا بين حبيب يواجه حبيبته بخداعها وحوار بين إثنين مخدوعين في حبهما “حبيبها لست وحدتك حبيبها..حبيبها أنا قبلك وربما جئت بعدك..وربما كنت مثلك حبيبها”!! فها هو يصف الخداع متحركًا ومتنفسًا ومرتعشًا… “في لهفة في اللقاء.. في رعشة في الوداع.. بدمعة ليس فيها من الدمع إلا البريق”!!! وحين يكتب الشناوي عن مصر يجعلنا متيمين بها كما هو متيم بمحبوبته…”على باب مصر تدق الأكف ويعلو ويعلو الضجيج..جبال تدور ، رياح تثور ، بحار تهيج…وتصغى! وتصغى!! فتسمع بين الضجيج سؤالًا وأى سؤال!! وتسمع همهمة كالجواب ، وتسمع هممةً كالسؤال !! أين؟ ومن؟ وكيف إذن؟.” فنهضة مصر في عصره في أوائل الستينات تجعله يتسآئل “أمعجزة ما لها أنبياء؟..أدورة أرض بغير فضاء؟” ليدركنا سريعًا بقوله أن الشعب المصري هو جوهر المعجزة وسببها ويصرخ على لسانه “أنا الشعب أنا الشعب لا أعرف المستحيلا …ولا أرتضى بالخلود بديلا…بلادى بلادي مفتوحة كالسماء… تضم الصديق وتمحو الدخيلا” لقد أصر جسد كامل الشناوي على الرحيل مبكرًا من حياتنا في سن السابعة والخمسين ولكن رحل من قبله الى عالم ملائكي قلبه وعقله..فهما ليسا من عالمنا المادي الجاف. رحم الله إبن نوسا البحر العاشق الذي ذاب وأذابنا رومانسية وغضب وجرحنا بجروحه التى لم تلتأم حتى غادر حياتنا وحيدًا حزينًا وهو يُضحك الجميع من حوله…لقد ترك لنا رصيدًا من الرومانسية والوطنية مكتوبة ومحسوسة تغذي أرواحنا وتأججها الى الأبد…وداعًا يا إبن أجا..يا إبن بلدي….!!!


“كوني كما تبغين لكن لن تكوني فلقد صنعتك من

الوسوم
اظهر المزيد

مجلة مملكتي

مجلتنا هي نقطة شروع جديدة ومميزة لبناء أمرأة واسرة ومجتمع لائق ومتحضر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق