شعر وأدب

أمي والكيماوي

كتب / دكتور مسعد السيسي

تجمع الأبناء ، والأحفاد حول الأم. السرطان ينخر فيها كالسوس والورم اللعين ينشر زبانيته في كل مكان ، فييشفط كل الموارد التي تأتي بها الأوعية الدمويه ، وينمو بوحشية ، غير مباليا بما يحدثه حوله من دمار. كانت أمي الي زمن قريب، متماسكة تستطيع السير ، والقيام بأمور البيت الكبير.وكانت توزع حنانها ومواردها الضئيلة علينا بالتساوي. كان البنات هن الأكثر جزعا واظهارا للحزن . هل تموت أمنا؟ فيتوقف القلب الذي يضخ الحب ، والحنان بلا حساب ، ويمنح عطر الأمن والأمان بلا مقابل .
قرر طبيب الوحدة الصحية ، أنه لامفر من تناول العلاج المر ، المعروف بالكيماوي. لكن طبيبا آخر، يهمس لنا ، ان العلاج الكيميائي ، لا ينجح في معالجة السرطان ، وإنه خدعة مموهة جيداً من الكبار. ، وقال طبيب ثالث ، ليس هناك إلا سببا واحدا لوصف العلاج الكيماوي ، وهو الأموال التي يستفيدون منها، مؤكدا أن كثيرا من الدراسات كشفت أن الكيماوي يؤدي إلى التعجيل بالوفاة .
لكن طبيب الوحدة المفوه ، خرج ليقول أمام الجميع، أن تناول الأم للعلاج الكيماوي يأتي تنفيذا لرؤية واضحة، وشجاعة لإصلاح الخلل فى منظومة أجهزة الأم ، ودعم وظائف أعضائها بشكل عام. ، وأننا يجب جميعا أن نتحمل مرارته حتي نظفر بالنتيجة المطلوبه. ، انتظروا شهورا وسوف ترون النتيجة . ثم صاح بصوت عالي . ،.هل لدي أحدكم أي بدائل؟ . عم الصمت الجميع بل أنه نال استحسان البعض .
صوت أنين أمي يرتفع ، تحت قسوة المرض ، وترفض تجرع الدواء. لاتملك الا هز رأسها يمينا ويسارا، معبرة عن الرفض وتتساقط بعض الدموع علي خديها. ، وتتساقط دموعنا أيضا . كبار الأبناء مشغولون بأمور حياتهم ، وكل منهم يشجع بدء العلاج الكيماوي لينصرف الي حاله ، ويتابع الأمور عن بعد. أحسست أن زوجاتهم يجلسن علي مضض والكل يهرب ، عندما حان وقت العطاء.
تبدأ الجلسات . يدور الصراع المرير . الكيماوي ينساب في العروق ويذهب الي الخلايا ، التي تنمو بسرعه ، فيقتل معظمها ، لكنه يضر بالكثير من الخلايا الهامة. ، ويدمرها أيضا . لكن خلايا أخري تخرج للوجود متأهبة للجرعة الثانية. تتراكم مخلفات المعركة الضارية ، وتتسبب في فشل كلوي مفاجئ . تأتي الجرعة الثالثة ، ويتساقط شعر الرأس ، والحواجب. أصبح الشحوب يكسو وجه أمي ، وصار التنفس أكثر صعوبة ، وتحولت أمي التي كانت كالورده الناضره الي حطام انسان. رفضت أمي الجرعة الرابعة بهزة أكثر من رأسها، ودموع أكثر غزارة. مازال الدواء ينساب في عروقها بلاطائل غير اختلال شديد في ضربات القلب ، وانخفاض حاد في نسبة السكر ، أعقبها غيبوبة قالوا عنها ، عميقة.
مازالت أمي من يومها ترقد في العناية المركزة. يخبرني الأطباء ، أن الأمل ضعيف ، ويقول القليلون كل شيء بارادة الله ، وكثيرا ماتحدث المعجزات. يدور الجدل الآن هلي نستمر في العلاج الكيماوي أم نرفع عنها الأسلاك والخراطيم ؟ ؟

اظهر المزيد

مجلة مملكتي

مجلتنا هي نقطة شروع جديدة ومميزة لبناء أمرأة واسرة ومجتمع لائق ومتحضر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق